في جدة التاريخية، بين الفوانيس والرواشين، ندرك أن رمضان ليس فقط ما نفعله فيه، بل ما يفعله هو في أرواحنا، حواسنا الشاهدة على كل التفاصيل. فقبل أذان المغرب، تنتشر في البلد روائح لا تشبه أي مكان آخر، رائحة البن المحموس، الهيل، الشوربة، السمبوسة، ورائحة الخبز الساخن تفوح من الأفران. روائح لا تأتي فقط من المطابخ، بل تستحضرها حواسنا، ربما لأن هذه الأزقة شهدت آلافا من موائد الإفطار عبر مئات السنين، جلس حولها تجار، حجاج، مسافرون ومقيمون، وكأن المكان تعلم أن يحتفظ برائحة الكرم. الأزقة الضيقة، التي حفظت خطوات أهلها، تعيش رمضان بطريقة مختلفة، لا صخب مبالغا فيه، ولا استعجال، هدوءٌ، يشبه نسمة تعبر بين الجدران المرجانية، يبدو رمضان وكأنه في عصر قديم.
العجيب في البلد أن الزمن لم يغادره، قد تتغير الأبواب، تُرمم الجدران، لكن شيئاً خفياً يبقى كما هو. حين تمشي هناك تشعر وكأن الماضي يسير معك، الخطوات التي تسمعها ليست لك وحدك، بل لأناس مرّوا من هنا قبل قرون، لهذا السبب يحب الناس زيارة البلد، أو جدة التاريخية، ليس لرؤية المباني القديمة، بل ليشعر بأنه يتنفس هواء الأجداد نفسه. بعض الأماكن في العالم تتحول مع الزمن إلى مجرد مواقع سياحية، لكن البلد ليس كذلك، هو قلب المدينة الذي لا نراه، لكنه يضخ فينا الذاكرة من الرأس حتى القدمين.
المدن لا تُبنى بالحجارة، بل بالقصص التي مرّت بها، فالمكان، مثل الإنسان، يعيش، ويكبر ويحفظ داخله كل الذين مرّوا به، حتى البيوت جدرانها تتحدث، تشبه كتاباً قديماً، صفحاته من الحجر المرجاني، وشرفاته من الرواشين الخشبية تطل على الشارع كعيونٍ تراقب الحياة. خلف تلك الرواشين، عاشت أجيال كاملة، كل نافذة كانت شاهدة على قصة، كل باب كان محطة استقبال أو وداع.
كانت جدة مدينة عبور، حيث يأتي الحجاج من كل فج عميق، وترسو السفن القادمة من كل أصقاع الدنيا، فتمتزج اللغات، الملامح، الأطعمة، العادات والتقاليد، لهذا لا تشبه جدة مدينةً واحدة، بل هي مكان لملتقى عالمي يحتفي بالبشر، حين كان البحر المعبر الوحيد.
الأسواق في جدة التاريخية ليست مجرد أماكن للبيع والشراء، بل مسرح حي/مفتوح للحياة القديمة، الدكاكين الصغيرة المطلة على الأزقة الضيقة تحمل تاريخ قرون من التجارة، مر بها التجار القادمون من الهند، اليمن، مصر والشام، وإفريقيا. البلد كان بوابة البحر الأحمر للعالم. ما يميز أسواق البلد ليست البضائع، بل الروح التي تسكنها، التجارة ثقافة وقصص مسافرين وذكريات أجيال من أهل جدة، لذلك وأنت هناك لا تشعر بأنك تتسوق فقط، بل كأنك تسير داخل صفحات مفتوحة من تاريخ المدينة. قد تتغير المدن مع الزمن، تختفي أسواق وتظهر أخرى، لكننا مازلنا نتسوق في «شارع قابل، سوق الندى، سوق البدو، سوق العلوي» وغيرها، أماكن تضج بعبق التاريخ، لتذكّرنا بأن الأسواق هي ذاكرة المدينة، وأن التجارة لا تُصنع المال فقط، بل الهوية أيضاً، فما تجده في أسواق البلد لا يتوافر في غيرها.
في ليالي رمضان تفتح الدكاكين أبوابها إلى ما قبل الفجر، لأن السوق ما زال مكتظا بالناس، ووسط هذا كله، يشعر الإنسان بأن السوق ليس صاخباً، بل حي كحكواتي حارسٌ لذاكرة الناس.