لعل أبرز ما يميز كتاب «الرحلة السورية في الحرب العمومية» للقس بطرس خويري، تحقيق قاسم وهب، عن سواه من الكتب المنتمية إلى هذا النوع الأدبي، هو وسيلة الرحلة وغايتها وحقل اهتمامها. وإذا كان الرحالة، في تاريخ الأدب العربي، غالبا ما يجوب الأصقاع، ويجتاز القفار، ويرتاد المدائن والقرى، سيرا على قدميه أو على ظهر ناقة صبور، يحدوه فضول معرفي لاكتشاف الجديد، في الجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا، ويقوم بتدوين ما اكتشف في طروس وأوراق، فإن القس بطرس خويري، رجل الدين الماروني اللبناني الأصل، اللاجئ إلى مصر لأسباب سياسية، المعادي للعثمانيين، يقوم برحلته السورية في العام 1916، بتكليف من الجنرال مورو قائد الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط في حينه، لاستطلاع «حالة الجيوش التركية ماديا ومعنويا، بغية تذليل العقبات التي قد تعترض سبيل الحملة المزمع تسييرها من قبل الحلفاء إلى الشام لتحريرها من قبضة العثمانيين».

ويتخذ من قدميه والقطار والدارعة البحرية والزورق والعربة والحمار وسائل نقل لتنفيذ المهمة المكلف بها. ويحصر اهتمامه برصد أوضاع السوريين واللبنانيين في ظل الحكم العثماني، وجمع المعلومات عن الجيوش التركية المحتلة. وبذلك، تختلف رحلته عن الرحلة النمطية وسيلة وغاية وحقل اهتمام. ويطغى فيها الهم السياسي على الهم المعرفي، وتتحول إلى عملية تجسس بامتياز، ما يطرح طبيعة المهمة على بساط البحث. هل نحن إزاء مهمة وطنية، كما يعتقد خويري، تهدف إلى تحرير بلاده من الاحتلال العثماني أم نحن إزاء خيانة قومية يتجسس فيها لمصلحة الفرنسيين الذين يغلفون أطماعهم الاستعمارية بغلاف إنساني، كما ستتمخض عنها الأيام اللاحقة؟

مسار الرحلة


بمعزل عن طبيعة المهمة، تبدأ الرحلة، على المستوى الزماني، في 18 مارس 1916، وتنتهي في 18 مايو من العام نفسه. أي أنها تستغرق شهرين اثنين. وتبدأ، على المستوى المكاني، من القاهرة، وتتخذ المسار الآتي: بورسعيد، العريش، غزة، صور، بيروت، طرابلس، بيروت، جونية، بكركي، عين ورقة، عرمون، جبة بشري، كسروان، دلبتا، جبل رشعين، جبل صنين، سهل البقاع، الزبداني، معلولا، دمشق، يونين، حمص، حماة، طرابلس، جبيل بيروت، كسروان، جبيل، مستيتا، جزيرة أرواد، وبورسعيد. وتنتهي في القاهرة. وهكذا، تشمل كلا من مصر ولبنان وسوريا.

بنتيجة هذه الرحلة، ذات المحطات المتعددة، يضع خويري تقريرا في 140 صفحة و73 بندا، ويرفعه إلى الجهة التي كلفته القيام بها، فتعممه، بدورها، على حكومات الحلفاء، وتترتب عنه نتائج خطيرة. ويدون وقائع الرحلة، بمحطاتها المختلفة، نزولا عند رغبة بعض الأدباء، لكنه يتردد في نشرها، في تلك المرحلة، حرصا على مشاعر مواطنيه، ممن شهدوا أهوالها، حتى إذا ما أزف العام 1921، يتحرر القس من تردده، ويقوم بإصدارها في طبعة أولى، على نفقة صديقه يوسف أفندي توما البستاني، صاحب «مكتبة العرب» الكائنة في شارع الفجالة، في حينه.

ارتياد الآفاق

أما الطبعة التي بين أيدينا، فصادرة عن «دار السويدي للنشر والتوزيع» في أبوظبي، و«المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، في إطار سلسلة «ارتياد الآفاق» التي يصدرها المركز العربي للأدب الجغرافي، بالتوازي مع سلسلة «سندباد الجديد»، بهدف «إحياء الاهتمام بالأدب الجغرافي من خلال تحقيق المخطوطات العربية والإسلامية التي تنتمي إلى أدب الرحلة والأدب الجغرافي بصورة عامة، من جهة، وتشجيع الأدباء والكتاب العرب على تدوين يومياتهم المعاصرة في السفر، وحض الدارسين على الإسهام في تقديم أبحاث ودراسات رفيعة المستوى في أدب الرحلة، من جهة ثانية» (ص7و8). وبذلك، تتكامل السلسلتان في إطار مشروع تنويري عربي، يتناول العلاقة بين الذات والآخر في جغرافيات مختلفة، ومراحل تاريخية متنوعة.

في مقدمة الكتاب، يضع المحقق قاسم وهب «الرحلة السورية» التي يتناولها في إطارها التاريخي، في لحظة تاريخية، بلغت فيها سياسة التتريك الذروة، ما جعل العرب يؤسسون الجمعيات المطالبة بالانفصال عن الأتراك والتعالق مع قوى أخرى. يرسم مسار الرحلة، الزماني والمكاني، ويطرح سؤال المهمة التي كلف بها الرحالة، ويقدم مشاهد من المظالم التي وقع عليها صاحب الرحلة.

تقنيات شتى

في المتن، تعترض خويري مجموعة من العقبات، المادية والبشرية، خلال تنفيذه المهمة المكلف بها؛ فيلجأ إلى حسن التخلص، قوة الأعصاب، الكذب، التخفي، التنكر، انتحال الشخصية، الرشوة، إطلاق النار، وغيرها، في مواجهة هذه العقبات والتغلب عليها. وهو، إذ يتنقل بين المحطات المختلفة للرحلة، يستخدم تقنيات شتى لرصد الأحوال وجمع المعلومات، بدءا من الزيارة الميدانية، مرورا باللقاء بالناس، والوقوف على أوضاعهم، وسماع قصصهم، وطرح الأسئلة عليهم، ومعاينة معاناتهم، وتسقط أخبارهم، والتجسس على الجنود الترك، وانتهاء بالتسلل إلى الأماكن المحظورة وتقصي المعلومات عن الأسلحة الموجودة فيها ومدى فعاليتها. ويعود، من هذه التقنيات، بمجموعة كبيرة من الوقائع والانطباعات والأخبار والمعلومات التي تتفاوت في أهميتها، ويمكن تصنيفها في مجموعتين اثنتين؛ الأولى، تتناول المظالم التي يرزح تحتها أبناء البلاد الشامية، من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين؛ والثانية، تتعلق بعديد القوات العثمانية ونوعها ومواقع تمركزها.

رصد الأحوال

في المجموعة الأولى، وهي الغالبة على الكتاب، يذكر القس بطرس خويري ما عاينه ببصره من مشاهد، وسمعه بأذنه من أصوات، وما تساقط إليه من هنا وهناك من أخبار. والمعاين والمسموع والمتساقط يتمحور حول الأهوال التي عاناها الشاميون، في تلك المرحلة التاريخية، بلبنانييهم وسورييهم وفلسطينييهم. وحسبنا أن نضرب عليها عددا من الوقائع المرصودة، على سبيل المثال لا الحصر. وفي هذا السياق، يرى الكاتب في كسروان الأولاد الجياع يسابقون البهائم على الأعشاب، والهياكل البشرية المبعثرة على الطرقات، ورجال الإكليروس الخائفين من العثماني. ويرى في تنورين امرأة هزيلة تحتضن طفلها، ولا تملك سوى دجاجة واحدة، تبيض لها بيضة كل يوم تسد بها جوع الطفل. ويرى في دمشق رجلا معلقا على خشبة في ساحة الميدان، وأربعين من الأعواد الخشبية المعدة لإعدام أعضاء الحزب العربي المطالبين بانفصال سوريا عن العثمانيين، ومجموعات من البنات الأرمنيات المعروضات للبيع في المزاد العلني. ويرى في حمص بضعة آلاف من الفلسطينيين الذين أجلاهم جمال باشا عن بلادهم وتقوم فرقة من الجنود بضربهم وطردهم من المدينة. ويرى على ضفاف العاصي المطرودين أنفسهم، وإذا هم «هياكل بشرية تتحرك، عليها من اللباس أطمار بالية، ومن فوقها جماجم بارزة السحنة كأنها الأموات نشرت من قبورها» (ص57)، وآخرين «أفقدهم الجوع رشدهم؛ فتألبوا على جثة جمل منتنة يسابقون الطيور القشاعم في نهشها» (ص58). ويرى في بيروت علامات الخراب والأجساد المتورمة والوجوه الصفر جراء الحرب والفاقة والمجاعة والأوبئة.

في السياق نفسه، يسمع في جبيل امرأة بدت له في الثمانين، ولم تتجاوز الأربعين من العمر، تشكو له موت زوجها وأولادها جوعا. ويسمع في درعون شكوى حوذي نفقت ستة من خيوله الثمانية ضمورا وهزالا. ويسمع في بيروت عويل الصغار وأنين الشيوخ وندب العذارى والأرامل. ويتناهى إليه في دمشق نفي العثمانيين ثمان وعشرين عائلة من أعيان الشام، ونهب محتويات بيوتهم، وسلب حلي نسائهم. وتتناهى إليه في طرابلس أخبار حادثة الميناء التي أودت بأربعة وعشرين من أبنائها وبناتها، على خلفية التحقيق في قضية تهريب خارجين على الدولة إلى جزيرة أرواد. وعليه، يتقاطع ما عاينه الكاتب، وما سمعه، وما تناهى إليه، في تقديم غيض من فيض المظالم التي عانت منها بلاد الشام في العهد العثماني.

جمع المعلومات

في المجموعة الثانية، وهي الأقل في الكتاب، يورد خويري ما تناهى إليه، أو وقف عليه بنفسه، من حركات الجيش العثماني وأسلحته؛ فيذكر، على سبيل المثال، ما سمعه في دمشق من نقل خمسة وعشرين ألف جندي من فيلق الشام إلى كوت العمارة في العراق لمهاجمة القوة الإنجليزية المحاصرة هناك. ويذكر تسلله إلى قلعة طرابلس البحرية، بمساعدة صديق، وتمكنه من الحصول على معلومات عن المدافع الموجودة فيها ومدى فعاليتها، بعد تقديم رشوة للحارس المختص.

وطنية أم عمالة

هذه الوقائع وغيرها هي المادة الأولية التي يقوم القس بطرس خويري بتشكيلها في «الرحلة السورية في الحرب العمومية» متوخيا لغة سردية مباشرة، تنحدر إلى المستوى المحكي في بعض تجلياتها، ولا يتورع عن استخدام الكلمات المحكية، ولا ينأى عن السقوط في الأخطاء الشائعة. ولعل انشغاله بماهية التعبير عن كيفيته هو ما يفسر مباشرية اللغة السردية في كتابه. وكأني به يستخدم لغة التقرير بدلا من لغة التعبير انسجاما مع المهمة المكلف القيام بها. وهنا، يطرح سؤال التصنيف نفسه، مرة أخرى. هل يعتبر ما قام به خويري مهمة وطنية تهدف إلى تحرير بلاده من نير العثمانيين ورفع المظالم الواقعة على بني قومه، كما يعتقد هو، أم هو خيانة قومية كان فيها مجرد أداة صغيرة في لعبة كبيرة، بتجسسه على أولي الأمر في تلك البلاد لمصلحة الفرنسيين، ولا سيما إذا ما علمنا بالفظاعات التي ارتكبها هؤلاء، في مرحلة لاحقة، بحق اللبنانيين والسوريين؟

لعمري، أن المسألة حمالة أوجه. لكنني أميل إلى الظن أن ما قام به خويري لا يرقى إلى المهمة الوطنية، بقدر ما كان أداة صغيرة بيد مستعمر جديد، يرميها في مزبلة التاريخ، بمجرد انتهاء صلاحيتها. ألم يترفع نابوليون بونابرت عن مصافحة ذلك الضابط النمساوي الذي ساعده على احتلال بلاده، واكتفى بأن رمى له بصرة من المال، من على ظهر حصانه؟

*شاعر وناقد من لبنان

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.