مرت دول الخليج عموماً والمملكة خصوصاً بفترة تأسيس، فنمو اقتصادي، تبعه تطور اجتماعي يكاد يكون فريداً في تاريخ المجتمعات، نظراً لسرعة حدوثه، ولعمق التغييرات التي حدثت في هذه المجتمعات، وللبعد الإقليمي والدولي المرتبط بهذه التحولات. وفي جغرافيا صحراوية مترامية الأطراف كان ظهور الدولة المركزية أولوية قصوى سواء أكانت مشيخة، أم إمارة، أم مملكة، أم سلطنة، أو تحت أي مسمى كان لظهور مجتمعات مستقرة مستدامة تأخذ بالمعنى المتعارف عليه في مفهوم علم الاجتماع.
في هذه المجتمعات كان ظهور النفط هو الرافعة الاقتصادية التي أحدثت هذا التغيير. غير أن ظهور النفط لم يغير من طبيعة هذه المجتمعات الشيء الكثير في مجال العمل والإنتاج، فقد بقي المجتمع اقتصاديا تابعا للدولة، نتج عنه تحكم الدولة في مرافق الاقتصاد والخدمات المرتبطة به، وقد انعكس ذلك في معظم جوانب التنمية وفي مقدمتها الإسكان والتعليم والصحة.
غير أنه وفي ظل التطورات الاقتصادية محليا ودوليا وبفعل العولمة الاقتصادية والثقافية أيضا وبفعل النمو السكاني وجدت هذه الدول نفسها مضطرة إلى إشراك القطاع الخاص في إدارة مواردها. يكمن التحدي الاقتصادي الذي تعيشه دول الخليج اليوم في الانتقال السلس من الاقتصاد المدار حكومياً إلى الاقتصاد الذي يديره القطاع الخاص. هذا الأخير إن صحت تسميته بذلك قائم أساساً على النمط الحكومي في الإنتاج وفي إدارة الموارد. ونظراً للطبيعة الريعية لاقتصاد النفط فإن تخصيص خدمات حيوية كالصحة مثلاً لا يزال مبكراً. انظر في هذا القطاع وستجد وفرة في مخرجاته الحكومية أصلاً، بل إن هناك فائضاً في البعض الآخر في كافة القطاعات الصحية، ومع ذلك فإن شبح البطالة يخيم على عدد كبير من هذه الكوادر الصحية المدربة والمؤهلة علمياً ومهنياً، وهو ما أصبح معروفاً بالضرورة. السبب وراء ذلك هو أن القطاع الخاص يقدم مصالحه على مصالح المواطنين الذين أنيطت به خدمتهم على الرغم من أن سياسة الدولة توفير رعاية صحية للجميع، وقد حقق الأداء الحكومي في إدارة قطاع الصحة في السنوات الماضية كثيراً من الإنجازات جعل من بعضها مفخرة وطنية على مستوى العالم.
إن تخصيص الخدمات الحيوية في أي مجتمع عملية تتطلب شروطاً ومعطيات أساسية لكي تضمن نجاح عملية التخصيص هذه، ومن المعروف أن تخصيص الخدمات بكافة أنواعها في الدول المتقدمة لم تتم بين عشية وضحاها، بل استغرقت عقوداً وقروناً لكي تؤتي الخصخصة أكلها في النهاية.
في المجتمعات حديثة العهد بالعمل المؤسسي نسبياً وبآليات إنتاج السوق كما هو الحال في المملكة ودول الخليج عموماً، فإن الانتقال من النمط الحكومي في إدارة الاقتصاد إلى القطاع الخاص في مجالات حيوية كالسكن والتعليم والصحة بحاجة إلى الوقوف ملياً نظراً لحيوية هذه القطاعات. فقد عهد الناس في إدارة هذه المرافق الثلاثة من قبل الحكومة نمواً واستقراراً وأماناً وظيفياً ورضاً بدرجة كافية عما قدمه النمط الحكومي من خدمات.
ولأن الشيء بالشيء يذكر ومن باب التذكير بنماذج متقدمة في هذا المجال فقد كان نظام الرعاية الصحية الوطنية «إن إتش إس» مفخرة لبريطانيا عندما كان يدار من قبل الحكومة. غير أنه قد فقد كثيرا من بريقه بعد أن تم إخضاعه لآليات السوق، وهنا يعيد السؤال طرح نفسه من جديد: هل تخصيص القطاع الصحي في هذا الوقت بالذات هو السبيل الأنجع لتقديم خدمات صحية مرضية للجميع؟