كان الحج وما زال مَطهَر الدنيا: ترحضُ (تغسل) فيه النفوس عن جوهرها أوزار الشهوات وأَوْضار المادة؛ وكان الحج وما زال ينبوع السلامة: تَبْرد عليه الأكباد الصادية، وترفُه لديه الأعصاب الوانية؛ وكان الحج وما زال بمثابة الأمن: تأنس فيه الروح إلى موضع الإلهام، ويسكن الوجدان إلى منشأ العقيدة، وينبسط الشعور بذلك الإشراق الإلهي في هذه الأرض السماوية؛ وكان الحج وما زال موعد المسلمين في أقطار الأرض على (عرفات):
يتصافقون على الوداد، ويتآلفون على البعاد، ويقفون سواسية أمام اللّٰه حاسري الرؤوس، خاشعي النفوس، يرفعون إليه دعوات واحدة، في كلمات واحدة، تصعد بها الأنفاس المضطرمة المؤمنة، تصعد البخور من مجامر الطيب، أو العطور من نوافح الروض!
هنالك يقف المسلمون في هذا الحشر الدنيوي حيث وقف صاحب الرسالة، وحواريو النبوة، وخلفاء الدعوة، وأمراء العرب، وملوك الإسلام، وملايين الحجيج من مختلف الألوان والألسن، فيمزجون الذكرى بالذكر، ويصلون النظر بالفكر، ويذكرون في هذه البقعة المحدودة، وفي هذه الساعة الموعودة، كيف اتصلت هنا السماء بالأرض، ونزل الدين على الدنيا، وتجلى اللّٰه للإنسان، ونبت من هذه الصحراء الجديبة جنات الشرق والغرب، وثمرات العقل والقلب، وبينات الهدى والسكينة.
الحج مؤتمر الإسلام العام، يجدد فيه حبله، ويتعهد به أهله، ويؤلف بين القلوب في ذات اللّٰه، ويؤاخي بين الشعوب في أصل الحق، ويستعرض علائق الناس كل عام فيوشجها بالإحسان، ويوثقها بالتضامن، وينضح من منابعه الأولى على الآمال الذاوية فتنضُر، وعلى العزائم الخابية فتذكو، ثم يجمع الشكاوى المختلفة من شفاه المنكوبين بالسياسة المادية، والمدنية الآلية، والمطامع الغربية، فيؤلف منها دعاء واحدا تجأر به النفوس المظلومة جؤارا تردده الصحراء والسماء!
وما أحوج المسلمين اليوم إلى شهود هذا المؤتمر! لقد حصرهم المستعمرون في أوطانهم المغصوبة، ثم قطَّعوا بينهم الأسباب، وحرَّموا عليهم التواصل، وفصلوهم عن الماضي الملهم والمستقبل الواعد، بطمس التاريخ، وقتل اللغة، وإطفاء الدين، فلم يبق لهم جمعة إلا في هذا الموسم. إن في كل بقعة من بقاع الحجاز أثرا للتضحية ورمزا للبطولة، فالحج إليها إيحاء بالعزة، وحفز إلى السموّ، وحث على التحرر:
هنا غار (حراء) مهبط الوحي، وهنا (دار الأرقم) رمز التضحية، وهنا (جبل ثور) منشأ المجد، وهذا هو البيت الذي احتبى بفنائه أبو بكر وعمر وعلي وعمرو وسعد وخالد، وهذا الشعب وذاك مَجَرُّ أذيال الغطاريف من بني هاشم وبني أمية، وتلك هي البطحاء التي درج على رمالها قواد العالم وهداة الخليقة!!
«ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا». أما شرط الاستطاعة فقد بطل اليوم، وأصبح الحج فريضة عين لا تحول عن أدائها عقبة، ولا يسوغٌ في تركها معذرة؛ فأنت تستطيع بالمال اليسير وفي الزمن القصير أن تحج على الباخرة والسيارة والطيارة، دون أن تعرض حياتك للموت، وثروتك للنهب، وصحتك للمرض!
1935*
* أديب مصري «1885 - 1968»