تعرف حكومة إسرائيل منذ زمن طويل أن السلام لا يَخدمهم، لا لأن السلام مستحيل في منطق البشر، بل لأن استمرار السيطرة على الأرض المسروقة هو ما يخدم مصالحهم الفعلية. فمنذ 1948، توالت حكومات الكيان المحتل) - وكل واحدة منها ادّعت أنها تفكر بعقلانية لكنها لم تُظهر الاستعجال نحو إنهاء النزاع مع الفلسطينيين. بل إن حساباتهم السياسية كانت قائمة على فهم مباشر: أن أي تسوية حقيقية تعني خسارة ما يعتبرونه «مصلحة وطنية» من حيث الجوهر، أي استمرار الاحتفاظ بالأرض التي انتزعوها بناءً على كذبةٍ جامعة؛ كذبة تقول إن أرضًا بلا شعب يُسلَّم لشعبٍ بلا أرض، ثم تُضيف وعدًا ربانيًا كي يتحول الادعاء إلى تفويضٍ أخلاقي يُعفيهم من المساءلة.
لم تكن المراوغة مجرد خطاب. فقد أدارت إسرائيل واقع الاحتلال بحيث تبدو لهم «عملية التفاوض» وكأنها خطوة نحو النهايات، بينما جرى توظيفها كأداة لإطالة الزمن وإعادة ترتيب الشكل دون تغيير الجوهر.
استُخدمت تلك المرحلة لإسقاط عنوان «قوة احتلال» عن نفسها، لا بقدر ما هو تحول أخلاقي، بل باعتباره غطاء قانونيا وسياسيا يسمح بمعاملة أراضي فلسطين ككيانات قابلة للتجزئة والاستثمار والتحكم. هكذا، أمكن رفع سقف الاستخدام العسكري والأمني بما يتجاوز الحدود التي كانت ستُفرض عليهم لو بقيت صفة الاحتلال مكشوفة على طبيعتها.
تتغذى هذه المنظومة من صناعة أمنية تُصدَّر فكرةً قبل أن تُصدَّر سلاحًا: أسلاك وحواجز، نقاط تفتيش وطرق مقطعة، مراقبة إلكترونية، كاميرات، روبوتات، وخطط ردع تُصمَّم لتخنق الحياة اليومية وتُبقي الخوف معيارًا للسيطرة. لا تعمل هذه المعدات في الفراغ؛ بل تَظهر كذراعٍ تنفيذية لاقتصادٍ يربط بين البقاء السياسي والربح الصناعي. وفي الوقت الذي تُقدَّم فيه هذه «الحداثة الأمنية» للعالم المتقدم على أنها إنجاز، تُوظَّف على الأرض لتثبيت تمييز صريح: بنوك وشركات وأحياء فاخرة تعيش جنبًا إلى جنب مع مناطق فقيرة تُركت لتتحول إلى مسرح لاضطرابات تُقمع، وأحيانًا لتبرير المزيد من القمع.
ومن دون سلام، تُصبح الحاجة إلى الاحتكاك المستمر بين الإسرائليين وجمهور مُعرَّف سلفًا على أنه «عدائي» وقودًا لا يتوقف. فدوامة الصراع -ولو لهيبها منخفض تُنتج تحالفات داخل المجتمع الإسرائيلي لا تُخلق بسهولة تحت مظلة التهدئة: خبراء نظم، مهنيين لدرجة الاحتراف، ومخترعون، وموظفون تنمو مهاراتهم في صناعة العنف والإدارة القسرية.
في عالم السلام، تتراجع فرص اللقاء على قاعدة الخصومة، وتفقد هذه الفئة الحاكمة مبررها النفسي والوظيفي، لذلك يُدار النزاع وكأنه نظام حياة لا مجرد خلاف سياسي.
كما أن الحفاظ على الاحتلال ليس خيارًا «إداريًا» بل هو نمط عمل واسع. مئات الآلاف يرتبطون مباشرة أو عبر سلسلة وظائف بصناعة السيطرة، وجزء كبير منهم يتخرج كل عام من الخدمة العسكرية وهو محمّل بمهارات مرغوبة يتحول بعضها إلى مسار مهني طويل: جنود محترفون، مرتزقة، وعملاء استخبارات، ومستشارين أجانب، وتجّار سلاح، ووسطاء يبيعون معدات القمع كما تُباع أي سلعة. السلام-بطبيعته- يهدد هذه المسارات ويضرب مصالح طبقة مؤثرة داخل الحكم. لذلك، لا يقتصر رفض السلام على منطق «الأرض» ، بل يمتد إلى منطق «الطبقات» و»الأرزاق» و»النفوذ».
ثم تأتي المسألة الأخلاقية التي حاولوا دفنها تحت حسابات تقنية: أي اتفاق سلام حقيقي يتطلب إعادة توزيع الموارد الحيوية، وعلى رأسها المياه، بما يحول دون أن تبقى حياة الفلسطينيين أقرب إلى الحرمان. وحتى الآن، يصعب على الإسرائيليين التعايش مع ترشيد الماء بسبب تكرر مواسم الجفاف؛ فكيف ستكون الصدمة حين يُطلب تقاسمٌ عادلٌ حقيقي يفرض تقليص امتيازات قائمة؟ الامتيازات ليست مجرد أرقام في جدول-إنها تُترجم إلى حياة يومية، وإلى شعور بالاستحقاق لدى فئة، وبالحرمان لدى فئة أخرى.
ولأن الإسرائيليين بنوا عالمهم داخل جغرافيا السيطرة، فإن المستوطنات تتوسع كلما انكمش «رفاه» ما يسمونه الوطن السيادي. تقدم المستوطنات للناس ما لا يستطيعون الحصول عليه عبر الأبواب الأخرى: أرضًا أرخص، بيوتًا أكبر، إعانات، دعمًا، مساحات أوسع، طرقًا أفضل، وتعليمًا عالي الجودة. وحتى لمن لم ينتقل فعليًا، تُصبح المستوطنات وعدًا ملموسًا بالترقي الاجتماعي والاقتصادي أكثر من الوعود الضبابية التي تُعرض باسم السلام: تحسينات مؤجلة، مستقبل مجهول، لا يرقى إلى خيار واضح قائم على السيطرة.
ثم لا يكتمل المشهد دون التمييز المؤسساتي ضد مواطني ال 48 من الفلسطينيين: في توزيع الأراضي، وفي الموارد التنموية، وفي التعليم والصحة وفرص العمل والحقوق المدنية. وحتى الحقوق الشخصية تُدار وفق التراتب العرقي، مثل الزواج والجنسية. من اعتاد امتيازًا مبنيًا على اختلاف العرق سيعتبر إزالته تهديدًا مباشرًا لمعيشه وكرامته-وهذا بالضبط ما يجعلهم يعاندون أي سلام ينهى القاعدة التي يعيشون عليها.
المشكلة ليست أن السلام ‘لا ينجح’، بل إنهم لا يريدونه لأنه يكسر منظومتهم، بل إن الإسرائليين تعوّدوا على ربط بقائهم بمآسي غيرهم، وتعمدوا أن يظل الغطاء الذي رفعوه فوق جرائمهم-كذبة الأرض بلا شعب، ووعد رباني كفكرة تُستخدم لتبرير السيطرة، وتجهيزات القمع التي تُقدَّم كأمن-مُخفيًا عن نظر العالم. لكن هذا الغطاء يجب أن يُرفع الآن: أن تُرى الحقيقة كاملة بلا ستار، وأن يُقدَّم هذا النهج بوصفه ما هو عليه- قصدٌ مبيتٌ وشرٌّ خطر على الإنسانية حتى لا تُترك البشرية أسيرة لأوهامٍ تُفضّل الكذب على الحقيقة، وتُحوِّل العدالة إلى وعدٍ مؤجل بينما تُدار الأرض المسروقة كأنها قدر.
في النهاية أترككم مع هذه المقولة لفيودور دوستويفسكي، أعتقد أنها تفسر الكثير: «الرجل الذي يكذب على نفسه ويستمع لكذبه يصل إلى حالٍ لا يستطيع معها تمييز الحقيقة لا داخله ولا حوله، فيفقد كل احترامٍ لذاته وللآخرين».