لكن ما لفتني أكثر هو المعيار الذي وضعه الخطاب لهذه الأولوية. فجعل الهدف الأساس لما تقوم به الدولة هو تحسين جودة الحياة. وهذا معيار رفيع لأنه ينقل النظر من حجم ما يقدم للإنسان إلى مقدار ما يتغير في حياته.
وبهذا المعيار تأخذ الكلمات الثلاث في الخطاب معناها الأعمق. فـ«أعلى درجاتها» تعني خدمة تحدث أثراً حقيقياً في صحة من يتلقاها. و«التغطية الشاملة» تعني نظاماً يصل إلى الإنسان أينما كان ويرافقه عبر مراحل حياته. أما «التحول» فقيمته الكبرى تظهر حين ينتقل النظام من التركيز على النشاط إلى الاهتمام بالنتيجة، ومن انتظار المرض إلى الاستثمار في الوقاية منه. وهذا هو الاتجاه الذي تمضي فيه مسيرة التحول الصحي اليوم.
حين يكون الطموح بهذا الحجم تصبح طريقة القياس جزءاً من نجاحه. فالأرقام التي اعتدنا عليها، كحجم الإنفاق وعدد المنشآت والزيارات والعمليات تخبرنا بجهد كبير يبذل. لكن ثمرة هذا الجهد تظهر في مكان آخر: في سنوات يعيشها الإنسان بصحة أفضل، وفي أمراض أمكن تجنبها، ومضاعفات أمكن منعها، وحياة احتفظت بجودتها سنوات أطول. وهذه ثمار تنضج ببطء وقد لا تظهر في التقارير ما لم نبحث عنها عمداً.
ولأن الخطاب الملكي يأتي في افتتاح أعمال مجلس الشورى فإن السياق نفسه يفتح باباً لسؤال سنوي مهم: كيف نحكي قصة التحول الصحي بلغة النتائج؟
حين يناقش مجلس الشورى التقارير السنوية للجهات الصحية يمكن أن تتضمن إلى جانب مؤشرات الخدمة المعتادة مجموعة محدودة وثابتة من مؤشرات النتائج تتابع من عام إلى آخر وعلى مستوى المناطق: كم سنة يعيشها الإنسان بصحة جيدة، وكم وفاة أمكن تجنبها بالوقاية أو بالعلاج في الوقت المناسب، وكم حالة تنويم كان يمكن منعها برعاية أولية مبكرة، ثم ما حجم الفجوة بين المناطق في هذه النتائج؟
قيمة هذه المؤشرات أنها تجعلنا نرى ما لا تستطيع أرقام النشاط وحدها إظهاره: كيف يتحول الاستثمار في الصحة إلى حياة أفضل. وهي في الوقت نفسه بوصلة تساعد على توجيه الجهد والموارد نحو ما يصنع الأثر الأكبر.
هناك تحدٍ آخر في قياس النتائج الصحية فأثرها لا يتحرك دائماً بإيقاع التقارير السنوية. قد نرى أثر توسعة مستشفى أو زيادة عيادات خلال أشهر بينما تحتاج الوقاية من السمنة والسكري أو تحسين صحة الطفل، أو خفض عوامل الخطورة القلبية إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجها كاملة. ولهذا يحتاج قياس التحول إلى ذاكرة أطول من عام واحد مؤشرات ثابتة نتابع اتجاهها عبر السنوات حتى نستطيع التمييز بين تحسن عابر، وتحول حقيقي ومستدام في صحة السكان.
كما أن تحسن المتوسط الوطني لا يروي القصة كاملة. فقد يتحسن المؤشر على مستوى المملكة بينما تبقى بعض المناطق أو الفئات أبعد عن هذا التحسن. ومن هنا تصبح الفجوة في النتائج الصحية جزءاً من القياس نفسه لأن جودة الحياة تكتسب معناها الأعمق حين يمتد أثرها إلى الإنسان أينما كان.
بعض هذه النتائج يصنع بعيداً عن المستشفى في طريق أكثر أمانًا ومدرسة تبني عادات صحية منذ الطفولة، ومدينة تمنح سكانها فرصة للحركة، وغذاء أكثر صحة، وتشريعاً يقلل التعرض لعوامل الخطر. ولعل هذا ما يمنح ربط الصحة بجودة الحياة في الخطاب الملكي دلالته الأوسع، فصحة الإنسان حصيلة قرارات تشارك في صناعتها قطاعات متعددة.
فحين تكون الصحة أولوية، نراها في الموارد والمنشآت والخدمات، ونراها أيضاً في نظام يقيس نجاحه بما يضيفه إلى حياة الإنسان، ويتابع هذا الأثر عبر السنوات وبين المناطق. وعندها يصبح السؤال الذي نقيس به التحول أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
بعد كل ما قدمناه للصحة.. ماذا تغير في حياة الإنسان؟