يعد مفهوم الثقافة واحدًا من أكثر المفاهيم الكاشفة عن طبيعة التصورات التي تشيدها المجتمعات مع الإنسان، والأشياء، والتاريخ، والزمن. يرتبط في اللغة العربية بجذر (ثقف) الذي من معانيه الحذق والتقويم والتهذيب. ومن أشهر استعمالاته القديمة: (ثقف الرمح) أي: قوم اعوجاجه وسواه وهيأه لأداء وظيفته. وفي هذا المعنى تحيل الثقافة على فعل تدخل واع في مادة موجودة أصلًا: فعل تشذيب وإعادة تشكيل وإبراز للإمكانات الكامنة. الثقافة- في سياقها العربي- تدخل على سيرورة الموروث والعادات والرموز والمعاني فتقومها وتعيد ترتيبها إما بتعزيزها وتنميتها أو بمحو ما يعوق نموها وتطورها. في التصور اللاتيني، يرتبط مفهوم الثقافة بالفعل (زرع)، أي زراعة الأرض واستنباتها والعناية بها حتى تنتج ثمارها. فعل تأسيسي يبدأ من البذرة وينتهي بالحصاد. في سياق الفعل الثقافي السعودي الراهن، انتقلت المكونات الثقافية من مجرد تعبيرات هامشية، إلى هاجس وطني كل همه إنتاج معنى إنساني يشكل خطاب السعودية الجديدة وشعارها الراسخ: مجتمع إنساني يخاطب العالم عبر مكوناته الثقافية، قادر على الإسهام في نمو الإنسان في كل مكان. اتساع المؤسسات الثقافية، وعودة الاهتمام بالتراث، وإحياء الفنون الأدائية والبصرية، وتطوير قطاع السينما، وتعزيز النشر والترجمة، وتأسيس المتاحف، والاهتمام بالصناعات الثقافية والإبداعية شكلت مجتمعة كنه خطاب السعودية الثقافي الجديد. أصبح الفعل الثقافي طاقة السعودية التي قررت أن تلج من خلالها إلى العالم انطلاقًا من مبادئ التفاعل والاعتراف الثقافي المتبادل. كل هذا ما كان ليحدث، لولا القرار السياسي الرشيد في تشييد علاقة جديدة مع التدين، ومع التحديث، ومع العصر.

عندما سئل «ليفيناس» عن الحضارة الغربية أجاب بأنها: ثمرة اللقاء بين الحضارة الإغريقية والكتاب المقدس (التوراة والإنجيل). وهذا يأخذنا إلى القول- بلا تردد: إن الثقافة السعودية المزدهرة اليوم هي ثمرة لقاء منظومة قيم ما قبل الإسلام (الأخلاقية والإنسانوية) التي أتى ليتممها الدين كما أشار النبي الكريم (عليه الصلاة والسلام) والقيم التي تضمنها القرآن. الفعل الثقافي السعودي الذي تخاطب به العالم هو هذا الامتداد التاريخي، وفي الوقت نفسه هو حالة انغماس الإنسان السعودي الرائعة في عصره وظروف إنتاجه وتأويلاته الإنسانية والتقنية. إن التمازج مع العصر بفاعلية يعني تبني الاعتراف الثقافي المتبادل، كما يعني الانتقال من موقع النفي إلى موقع الإثبات. ولطالما أرهقت الثقافة السعودية نفسها خلال فترة الانكفاء الثقافي في ممارسة النفي وآلياته.. انشغل الخطاب الثقافي السعودي- في الماضي- انشغالًا كليا في نفي تمثلات الآخرين عنه (المغلوطة غالبًا رغم صحة جزء منها):

الثقافة السعودية ليست كذا وكذا.. استهلكها خطاب النفي إلى لحظة التحول الكبرى الراهنة عندما قررت التحول من النفي إلى الإثبات: السعودية هي...؛ الذي جعلها تكشف للعالم عن مخزونها ومقدراتها الإنسانية والثقافية، وأفضى بالعالم في الوقت نفسه إلى تلقي جماليات هذه الكنوز الإنسانية والثقافية. انتقل الفعل الثقافي السعودي الراهن من منطق الثنائيات المبسطة إلى منطق التركيب؛ أي من تصور يرى أن المجال الثقافي محكوم بخيارين متقابلين:


إما الأصالة أو الانفتاح، إما الهوية أو العالمية، إما المحافظة أو التحديث، إلى تصور أكثر تركيبًا يقترب إلى ما يقترحه إدغار موران في كتابه (الطريق) من ضرورة تجاوز «الفكر الاختزالي»- الذي يعزل الظواهر عن سياقاتها، ويفصل ما هو متداخل، ويبحث دائمًا عن تفسير واحد واتجاه واحد للحركة التاريخية/الثقافية- إلى إعادة بناء الفكر على أساس التركيب والتعقيد المنتج بمعزل عن التقابلات الجامدة. يرى أن تبني الفكر المركب يفضي إلى القدرة على الإمساك بالظواهر في تعدد مستوياتها، وربط ما يبدو متعارضًا داخل بنية واحدة قادرة على إنتاج معنى جديد. ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي يكمن في إصلاح طريقة التفكير نفسها؛ انطلاقًا من أن الأزمات الحديثة هي في جوهرها أزمات إدراك وتنظيم للمعنى.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول الثقافي السعودي بوصفه محاولة لإعادة تشييد (مستمر) مع ظواهر معقدة على رأسها: المصالحة ما بين «الاعتقاد والانتقاد» (انتقاد ما هو خارج جوهر العقيدة)؛ علاقة المحلي بالعالمي؛ التراث وعلاقته بقيم المعرفة؛ مسألة الهوية والإنتاج الثقافي. إن ما يحدث في السعودية حالة تأسيس مبهرة لشروط نمو الكائن الإنساني السعودي بما يليق بقيمه ومكانته الإنسانية، وبما يجعله قادرًا على أن يعيش عصره دون خسارة نفسه، وأن ينفتح على العالم دون أن يتخلى عن حقه في أن يكون مختلفًا. ويمكن القول إن ما حدث ويحدث فعل ثقافي يصاحبه وعي عميق بأن المجتمع السعودي، وأي مجتمع في العالم، لا يستقيم من دون معيار، وأن كل مشروع ثقافي، كما هو معلوم، مهما ادعى الحياد، يستند إلى منظومة قيمية معيارية تنظم رؤيته للعالم، وتحدد أفقه الأخلاقي والإنساني. فالمعيارية مفهوم حيوي ناظم لوجود الإنسان، ورافعته نحو اكتمال الإنسان الأخلاقي والمعرفي كي لا يتحول إلى نوع من السيولة الفاقدة للمرجعية. لكن هذا الأفق الواسع يفرض أيضًا درجة عالية من متطلبات اليقظة النقدية والوعي؛ انطلاقًا من أن كل انفتاح يحمل معه مخاطره الكامنة فيه. وأهم هذه المخاطر هو الوقوع في «المحاكاة غير المستوعبة» أو «الاستلاب الثقافي» أو «الاستنساخ الحضاري غير المقنن» أو حتى «الوعي المستعار» والذوبان الكلي في الآخر؛ مما ينتج عنه استقبال منتج الآخر ومفاهيمه وأنماطه دون إدراك ظروف إنتاجها، أو مساءلة طبيعة حضورها في سياقها الجديد. وإذا كانت بداية المقال انطلقت من المفارقة الكامنة في الأصلين اللغويين لمفهوم الثقافة؛ بين الجذر العربي (ثقف) الذي يحيل إلى فعل التقويم والتهذيب والإصلاح لما هو قائم، وبين الأصل اللاتيني الذي يحيل إلى الاستزراع والإنماء؛ فإن التجربة الثقافية السعودية الراهنة تقدم صيغة تركيبية تتجاوز هذا التقابل نحو الممازجة بين هذين التصورين:

تقوم وتمحو (معيارية) وفي الوقت نفسه (استنباتية)، تستنبت مقدراتها الثقافية لتشييد ذات ثقافية مدركة لذاتها ومشيدة لبنية ذهنية ووجدانية (مستقرة) غير متوجسة من الاختلاف، واعية لطموحاتها، قادرة على إعادة إنتاج ثقافتها بصورة أوسع، متجاوزة– ما حذر منه موران– الوقوع في اعتبار الثقافة حقيقة بدهية، وضرورة التعاطي مع الفعل الثقافي من مبدأ المركب/المعقد.

وتيرة تحول وتطور الفعل الثقافي السعودي متسارعة، مما يجعل الحاجة ملحة ليقظة نقدية تساير وتنغمس في قراءة وتفكيك آليات ومآلات الفعل الثقافي السعودي الراهن. نقد وانتقاد سيرورة ما يحدث على مستوى الفعل الثقافي السعودي يشكل أعلى درجات التضامن معه؛ إذ «لا تضامن من دون نقد» كما يرى- وهو محق- إدوارد سعيد.