تفصل كولومبيا عن سوريا نحو 11.500 كيلومتر، وبين بوغوتا والجولان السوري المحتل قارات وبحار ومحيطات، أما عن التاريخ فلا شيء يربط كولومبيا بهذه المنطقة. ومع ذلك، لم تحتج الحكومة الكولومبية الجديدة سوى ثلاثة أيام بعد توليها السلطة حتى تجعل الجولان أول ملفات سياستها الخارجية، وتعترف بما سمته «السيادة الإسرائيلية» عليه بذريعة أن استمرار السيطرة الإسرائيلية ضروري لأمن إسرائيل.

لم يكن الاعتراف قرارًا منفردًا أو نزوةً دبلوماسيةً، فقبل تنصيب الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييا، عقد لقاءً مع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر. ووفق البيانات الإسرائيلية، اتفق الجانبان على استعادة العلاقات الدبلوماسية كاملةً، وتبادل السفراء، والتراجع عن خطوات اتخذتها حكومة غوستافو بيترو تجاه إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.

ولم تخفِ إسرائيل أصلًا أن أمريكا اللاتينية أصبحت إحدى ساحات تحركها الجديدة، إذ أعلنت خارجيتها أن عام 2026 سيكون عامًا للتركيز على تعميق العلاقات مع دول القارة، ومن هذه الزاوية، لا تبدو كولومبيا مجرد دولة أعادت علاقاتها مع تل أبيب، بل إحدى البوابات التي تريد إسرائيل أن تعبر منها إلى فضاء سياسي أبعد كثيرًا عن محيطها المباشر.


ولهذا كان رد الرئيس السابق غوستافو بيترو لافتًا، إذ قال في منشور على منصة X أول من أمس، إن الشعب الكولومبي لم يعتبر الجولان تابعًا لإسرائيل، وإن كولومبيا ظلت، مثل غالبية العالم، تعده أرضًا سوريةً، وقدم اعتذارًا إلى الدول العربية والمسلمين عن موقف الحكومة الجديدة.

وذهب بيترو أبعد من ذلك، حين اتهم إسرائيل باستخدام برمجيات وخوارزميات للتأثير في الانتخابات الكولومبية، وهو اتهام بالغ الخطورة يكشف حجم الانقسام الذي أحدثه التحول الجديد في سياسة بوغوتا تجاه إسرائيل.

كولومبيا هنا ليست القصة، بل دليل على سياسة إسرائيل، فعندما تصل حجة «أمن إسرائيل» إلى دولة تبعد أكثر من 11 ألف كيلومتر عن سوريا، فنحن لا نتحدث فقط عن عقيدة دفاعية داخل حدود إسرائيل، وإنما عن مشروع نفوذ يريد صناعة الوقائع عسكريًا وتسويقها أمنيًا ثم تثبيتها سياسيًا بمساعدة دول أخرى.

هذه هي الطريقة الإسرائيلية منذ عقود التي تقوم على أن تصنع القوة الأمر الواقع أولًا، ثم تأتي كلمة «الأمن» لتبرره، وبعد أن يطول الزمن تبدأ معركة الاعتراف به، والجولان السوري هو المثال الأكثر اكتمالًا، إذ احتلته إسرائيل عام 1967، وفرضت قوانينها عليه عام 1981، ثم أمضت عقودًا في البحث عمن يمنح الاحتلال اسم السيادة، رغم أن قرار مجلس الأمن 497 اعتبر الخطوة الإسرائيلية باطلةً ومن دون أثر قانوني دولي.

واليوم لا تحتاج إسرائيل فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى حكومات تتبنى روايتها، وتعيد تعريف الاحتلال باعتباره ضرورةً أمنيةً، وتساعدها على نقل موقف ظل معزولًا إلى المجال الدبلوماسي الدولي، وهنا تأتي أهمية كولومبيا، لا بسبب وزنها في الشرق الأوسط، بل لأنها تساعد في كسر العزلة السياسية أمام الاحتلال الإسرائيلي.

لكن المسألة لا تتوقف عند الجولان، ففي سوريا الجديدة استثمرت إسرائيل هشاشة مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، ووسعت وجودها في المنطقة العازلة وما وراءها، وأقامت حواجز، ونفذت عمليات واعتقالات داخل قرى سورية، فيما وثقت الأمم المتحدة نشاطًا عسكريًا إسرائيليًا داخل الأراضي السورية يتجاوز ما يسمح به اتفاق فض الاشتباك.

وكان يفترض أن تكون استعادة السوريين لدولتهم فرصةً لاستقرار الحدود، لا فرصةً لفرض حدود جديدة، فدولة تضبط حدودها وتغلق طرق السلاح والمخدرات والميليشيات يفترض أن تكون أقل خطرًا على جيرانها من دولة منهارة، لكن إسرائيل تتصرف بمنطق معاكس، فكل فراغ فرصة للتقدم وصناعة واقع جديد، ثم يصبح هذا الواقع مع مرور السنوات حاجةً أمنيةً.

وتتكرر السياسة الإسرائيلية في لبنان حيث تستمر الضربات والعمليات العسكرية بالتوازي مع محاولات أمريكية لتثبيت التهدئة، أما في فلسطين فتبلغ هذه السياسة ذروتها؛ فالأمن يتحول إلى مبرر لحرب إبادة على الشعب الفلسطيني في غزة، وإلى غطاء للاستيطان والتهجير وتغيير الجغرافيا في الضفة الغربية.

ثم تجاوزت إسرائيل حدود دول الجوار نفسها، ففي سبتمبر 2025 قصفت الدوحة التي تؤدي دور الوسيط في مفاوضات غزة، بذريعة استهداف قيادات فلسطينية، وبعدها جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لتبين الخطر الذي تمثله إسرائيل وإيران على أمن المنطقة على حد سواء.

وفي إفريقيا، تتغير الأداة لكن لا يبتعد المشروع كثيرًا، فاعتراف إسرائيل بأرض الصومال، والدور الذي لعبه جهاز الموساد في الوصول إلى هذه الخطوة، يفتح لإسرائيل بابًا سياسيًا وأمنيًا عند خليج عدن وقرب باب المندب، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسيةً بالنسبة إلى الملاحة الدولية.

وليست المشكلة أن كل التهديدات التي تواجه إسرائيل وهمية، أو أن إيران وميليشياتها لا تتحمل مسؤوليةً عن أفعالها، لكن المشكلة أن إسرائيل منحت نفسها حق تحديد مكان الخطر، وحدود الرد، والثمن الذي يدفعه الآخرون، وبذلك يصبح الاحتلال ضرورةً أمنية، والتوغل إجراءً وقائيًا، وقصف عاصمة وسيطة دفاعًا عن النفس، ثم تأتي دولة تبعد آلاف الكيلومترات لتمنح هذه اللغة غطاءً دبلوماسيًا، وليظهر أن ما بدأ في الجولان بالقوة وصل إلى بوغوتا ببيان سياسي.

ولذلك، فإن دلالة الخطوة الكولومبية في المشروع الإسرائيلي لا تكمن في وزن كولومبيا في قضايا المنطقة، بقدر ما تكمن في إثبات قدرة إسرائيل على نقل روايتها إلى ما وراء الإقليم، وتحويل حلفاء جدد إلى شهود زور على شرعية واقع صنعته بالقوة لا بالحق.

وأمام مشروع بهذا الاتساع، لا تكفي الإدانة أو انتظار الدولة التالية التي ستتبنى الرواية الإسرائيلية، بل تحتاج المنطقة إلى مشروعها الأمني الخاص الذي يمتلك من القوة والردع ما يحمي دول المنطقة وسيادتها، سواء من الطموحات الإسرائيلية أو الأطماع الإيرانية وغيرها.