نعيش في زمن أصبحت فيه الأرقام لغة القرار. الحكومات تقيس أداءها بالمؤشرات، والشركات تراقب الأسواق عبر لوحات البيانات، والمستثمرون يقررون أين يضعون أموالهم استنادًا إلى المتوسطات والنسب ومعدلات النمو. وكلما ازدادت قدرتنا على جمع البيانات، ازداد اعتقادنا بأننا أصبحنا أكثر قدرة على فهم الواقع.

غير أن الرقم، مهما بلغت دقته، لا يرى كل شيء.

وهنا تبدأ خطيئة المؤشرات: عندما ننتقل من استخدام المؤشر بوصفه أداة تساعد على فهم الواقع إلى التعامل معه وكأنه الواقع نفسه.


خذ سوق العقار مثالًا. قد تجمع بيانات مئات العقود الإيجارية المسجلة في حي معين، ثم تحسب متوسط إيجار الشقة، وسعر المتر، ونسب التغير السنوية، لتخرج بنتيجة تبدو شديدة الدقة. لكنك عندما تنزل إلى السوق وتبحث فعليًا عن شقة بالمواصفات التي تريدها، قد تكتشف أن الأسعار التي تواجهها مختلفة بصورة واضحة عن الرقم الذي أمامك.

هل المؤشر خاطئ؟

ليس بالضرورة.

قد تكون المشكلة في السؤال الذي طلبنا من المؤشر الإجابة عنه.

عقد الإيجار يستطيع أن يخبرنا بقيمة الصفقة، ومساحة الوحدة، وموقعها، وربما عمر العقار وعدد الغرف وبعض خصائصه. لكنه قد لا يخبرنا إن كانت الشقة تطل على شارع هادئ أم على طريق مزدحم، ولا عن جودة التشطيب، واتساع النوافذ، ودخول الضوء الطبيعي، وجودة العزل، ومستوى الصيانة، وكفاءة إدارة المبنى، وسهولة المواقف، ورائحة الممرات، ونظافة المصعد، وجودة الجيران، أو ذلك الشعور الذي يتكون لدى المستأجر بعد ثلاث دقائق من دخوله الوحدة ويجعله مستعدًا لدفع عشرة آلاف ريال إضافية في السنة.

هذه التفاصيل ليست هامشية. أحيانًا تكون هي السوق نفسه.

المشكلة مع الإحصاء أنه يجيد قياس ما يمكن تحويله إلى متغير، بينما توجد أجزاء من القيمة يصعب تحويلها إلى أرقام موحدة. تستطيع قياس مساحة الشقة بدقة تصل إلى السنتيمتر، لكن كيف تقيس جودة تصميمها؟ تستطيع تسجيل عدد غرف النوم، لكن كيف تسجل أن توزيعها سيئ؟ تستطيع معرفة عمر المبنى، لكن العمر وحده لن يخبرك إن كان مبنى عمره عشر سنوات أفضل صيانة من مبنى لم يكمل عامه الثالث.

لهذا قد تكون قاعدة البيانات صحيحة، والحساب صحيحًا، والمتوسط صحيحًا، ثم يكون القرار الناتج عنها ضعيفًا.

هذه ليست مشكلة عقارية فقط. إنها مشكلة قديمة في الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تطورت منذ عقود نماذج تسعير العقارات التي تحاول تفكيك قيمة المنزل إلى خصائصه المختلفة، فيما يعرف بالتسعير الهيدوني. المساحة، وعدد الغرف، والموقع، وعمر العقار، وغيرها تدخل في النموذج لمحاولة تفسير اختلاف الأسعار. وقد حسنت هذه الأساليب القدرة على مقارنة العقارات، لكنها كشفت في الوقت نفسه حقيقة مهمة: كلما كان الأصل غير متجانس، أصبحت المقارنة المباشرة أكثر صعوبة. منزلان متجاوران ومتساويان في المساحة قد يحملان قيمتين مختلفتين لأسباب لا تظهر كاملة في قواعد البيانات.

وفي بريطانيا واجهت مؤشرات أسعار المنازل الإشكالية ذاتها. فالمنزل الذي بيع هذا الشهر ليس هو المنزل الذي بيع الشهر الماضي، وتركيبة الصفقات نفسها تتغير. إذا ارتفعت مبيعات المنازل الفاخرة في فترة معينة، فقد يرتفع متوسط الأسعار حتى من دون حدوث ارتفاع مماثل في قيمة كل منزل. لذلك تستخدم المؤسسات الإحصائية نماذج تعدل أثر اختلاف خصائص العقارات، لأن مقارنة المتوسط الخام عبر الزمن قد تنتج صورة مضللة. المسألة تصبح أكثر وضوحًا عندما نغادر العقار. وللحديث بقية.