يروى أن أبا عيسى الوراق حكى للجاحظ أن آت أتاه في المنام وقال له: إن الجاحظ سيموت في العام الذي يولد فيه رجل سيطول عمره إلى مئات السنين. كان الجاحظ في تلك الأيام أواخر عمره، وهاجس الغيبة يحوم حوله، ولا يستطيع عقله إلا أن يفكر بالشاردة والواردة، فسأل هل يمكن أن يعيش الجسد لألف عام أو يزيد؟ يعرف الجاحظ أن نوحًا عاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولكن عقله افترض أن القصة قد تحمل رموزًا ليست واقعية، لهذا طرح المسألة على نحو مختلف، فصار بعد أن يخرج من دكاكين الوراقين مع أذان الفجر، يذهب للصلاة ثم يأخذ قسطًا من النوم حتى العاشرة ضحى، فيقوم إلى معمل الحيوانات الذي جعله بيئة تجريبية، وصادف أنه في تلك الليلة التي حدث بها عن الحلم، رأى قطة في معمله قارب عمرها العشرين عامًا كأنها تحتضر، وكان قد سمع أن القطط لا تعيش أكثر من عشرين عامًا، فأخذ القطة وعزلها عن الظرف الخارجي، ووضع عندها أكلًا وشربًا في أوان فخارية، وبدأ يراقب تصرفاتها وحركة عينيها، وانتفاضة جسدها وما يبدو عليه من الألم أو شيء آخر لا يعلمه، وأخذ يجس نبضها ويحسب سرعته، ويسجل ما يلاحظه، حتى انتبه إلى أن القلب يضعف شيئًا فشيئًا حتى توقف، حاول أن ينعشه ولم يستطع، فأخذ مشرطًا وبعج بطنها، لينظر هل موت القطة جاء من أعراض خارجية كالميكروبات أو التسمم أو نحوها، أم هو قانون طبيعي والخلايا تحمل في أحشائها نبتة فنائها؟ أي إذا بلغت القطة عشرين عامًا فإنها بلغت النهاية حتمًا؟ وسجل الجاحظ: إذا كان الجواب هو الأول فهذا يعني أن القطة لم تمت من جراء الشيخوخة، إنما تعرضت لشيء من الخارج، ولكنه لاحظ أن القطط الصغيرة الأخرى في المعمل شربت وأكلت وتعرضت إلى الشيء ذاته الذي تعرضت له القطة المسنة، ولم تصب بأذى أو تموت، وهذا جعله يسأل: هل للأعضاء عمر أخير إذا لم تتعرض لشيء خارجي فإنها تموت به؟ أخذ يتأمل في صلابة أعضاء القطة ومدى تأثر أنسجتها لعله يصل إلى شيء ما، فتذكر بيت زهير: «رأيت المنايا خبط عشواء من تصب/ تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم» فكأن زهيرًا وصف المنية بالمشاكل العرضية التي توقف القلب قبل أن يصل إلى نهايته، ومن ثم من انتهى عمره نهاية (هرمية) فإنه لا يعد ميتًا، إنما متوفى لأن الوفاة هي استيفاء الشيء، ولكن في الوقت نفسه انتبه الجاحظ إلى أن بيت زهير قد يشير إلى وجود إمكانية بأن يعمر الكائن الحي الذي لم تصبه المنية مئات السنين كنوح مثلا. إذن إذا كان الجواب هو الثاني-أي أن خلايا الكائنات تحمل في أحشائها بذرة فنائها- فهذا يؤكد عدم إمكانية أن تعمر الكائنات أعمارًا طويلة، ولكن السؤال: من يحدد آخر لحظة لعضلة القلب؟ عاد الجاحظ إلى تجاربه القديمة التي حاول فيها أن يحدد المدى الذي لم تتجاوزه القطط، إلا أن تجاربه كانت قاصرة، لهذا لجأ إلى الجدل ليعالج المسألة، فقسم الإمكان إلى ثلاث مسائل: أولها: الإمكان العلمي، المتعلق بالأدوات: ما الذي يمنعني أن أذهب إلى السماء إذا كانت السماء ليست هي الشمس التي تصهر كل مادة؟ ثانيها: الإمكان المنطقي: هل يمكن أن أقسم ثلاث تمرات بالتساوي إلى رجلين دون كسر؟ العقل يرفض ذلك بداهة، لأن الثلاثة عدد فردي وانقسامه بالتساوي يجعله زوجيًا، وهذا تناقض يستحيل عقليًا، وتذكر الجاحظ أن إبراهيم أوقعه قومه بالنار ولم يحترق، وتذكر نقاشه مع أحد الحمقاء الذين أنكروا الآية بناء على استحالتها منطقيًا، وقد قال له الجاحظ: هي غير مستحيلة منطقيًا، لأن فكرة النار وفكرة الجسد لا تتناقضان جوهريًا، لكن الإشكال في ثالث المسائل وهو الإمكان العملي وسؤاله: هل كل ما لا أستطيعه اليوم هو غير ممكن في المستقبل؟ وقد طرح الجاحظ مثال الصعود إلى السماء في حادثة المعراج، وسأل: هل نستطيع أن نصنع للمعراج مقدمات نظرية تتحول في المستقبل إلى ممكنات عملية؟ ظل هذا السؤال العملي يؤرق الجاحظ ويتمنى لو أجاب عنه قبل أن يموت، حتى جاءه خبر موت أبي عيسى الوراق (247هـ) وبعد أن دفنه رآه في المنام يقول له إني نائم وسأعود (فهل ستعرفني)؟ فتذكر الجاحظ قصة أهل الكهف، وفيها أن طول أعمارهم جاء من النوم، فخطر في باله أن النوم شرط الإمكان العملي في طول الأعمار، أي إن أنسجة النائمين الحيوية عزلت عن المؤثرات الخارجية التي تميت، وأوقفت عن العمل لأن النوم موت وليس وفاة فطال عمرهم، ولاحظ الجاحظ أن النوم يحيله إلى الحلم، وهو مصدر انعتاق الروح من الجسد، لكن الأهم أنه تذكر مصدر الأسئلة وهو حلم أبي عيسى بأنه سيولد شخص في عام 255هــ سيعمر مئات السنين وربما آلافها، فقال: الحلم يقول لنا إننا قادرون على صنع ممكنات عملية للصعود إلى السماء، وتذكر جدال أصحابه المعتزلة وأن أحدهم قال: إن المعراج لم يكن إلا حلمًا، وقد كان الجاحظ لحظة الجدال صامتًا؛ لأنه لا يريد أن يقطع بشيء يقلل من قيمة المعرفة لاحقًا، وهو-في حقيقة الأمر- لم يصمت إلا لأنه في تلك المرحلة انتقل من الاعتزال إلى الاختيال، والاختيال صناعة نظرية الخيال بوصفها مصدر المعرفة وفاتحة الإمكانات لكل ما يظن أنه غير ممكن، وبوصفها الملكة المعرفية الوحيدة التي تسمح للإنسان بالخروج من الجسد نحو فكرة المعراج ونوح وعيسى والفكرة التي ستولد عام (255هـ).

التفاتة

قال فقيه حنفي قديم: ماذا لو تعلق رجل بقدم نسر، ومر من الميقات فأين يحرم؟