كلنا أو بعضنا كرس أو يكرس وقته في موضوع «التراث والتجديد» أو «تجديد التراث»، ويكاد موضوعا «الموروث الثقافي»، و«الأصالة والمعاصرة»، يكونان من أهم محاور حياة المفكرين والباحثين والمثقفين اليوم.

بعض الناس يحاول بكل ما أوتي من قوة، هجر التراث بشكل تام، والبديل عنده الحضارة الحالية، والحياة المادية، والجدل المستمر، والخوض الدائم في «المعقول»، و«اللامعقول»، وعشق تفسير كل شيء بعقلية، لا تعرف غالبا إلا النقد.

يقول الحق، سبحانه وتعالى، في الآية «53»، من سورة الأنفال: «ذٰلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم»، وفيها ما يصلح أن يستدل به على أن «التجديد» قانون رباني، وشرط أساسي في كل تغيير إلى الأفضل، وهو ما نجده كثيرا في منقولات أئمة التراث الإسلامي، وخصوصا أولئك الذين اكتشفوا ضرورته من أجل تطوير أساليب التعامل مع الحياة، شريطة ألا يشوه الدين أو يلغيه.

العاقل لا يقف ضد «التجديد»، وفي الوقت نفسه ينبغي أن يكون ضد «التغيير»؛ لأن الأولى، تعني المواكبة والإضافة والتحسين، والثانية، يقصد منها الهدم من الأساس، وبناء شيء جديد؛ والعاقل يرفض تماما غيبة «التجديد»، في كل المجالات، دون استثناء، والعاقل كذلك لا يضيره أن يعترف بالانغلاقات، وتأثير الموروثات، على كثير مما كنا فيه، ووصلنا إليه.

المطلوب، اليوم وبعده، النظر إلى التراث نظرة متوازنة، بمعنى أن يؤخذ منه، ويرد عليه، والنظر باحترام للمتغيرات، والنظر بتقدير للتحولات، ونفض الاعتقاد بأن التراث ينبغي عدم الاعتماد عليه في هذا العصر، أو الاعتقاد بوجوب إعادة إنتاج التراث، وتغييره كما ذكرت ذلك سالفا.

الخلاصة في هذا الموضوع، ضرورة عدم التشبث المطلق بالتراث، والاختلاف في نفس الوقت مع الراغبين في تركه وتجاوزه، وعلى المهتم أن يترك مساحة وسطى في هذه الأمور؛ تنبذ الصراع، ونفي الآخرين، واحتكار الحقيقة، وتعمل كذلك على صناعة عقول خالية من التطرف الفكري، ومستوعبة أن عملية التجديد يجب أن تقوم على أساس استيفاء الأصول والثوابت، وأن التجديد المنتظر ينبغي أن يسير جنبا إلى جنب مع كنوز التراث، كذا الانفتاح على الآخرين، مع الحذر من تهديد سماحة الدين وشريعته، التي تأسست على التعددية، واختلاف الرأي. ولا بد أيضا من فهم ماهية التراث الإسلامي، وقراءته قراءة واعية، ولا بد كذلك من التفريق بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري، والتمييز بين النص الديني والتراث الديني، والتنبه إلى الاختلاف بين الدين الإسلامي والفكر الإسلامي، وإدراك أنه من دون التجديد الدائم والمستمر للتراث الفكري والفقه الإسلامي، تحدث الفجوة بين الشريعة الإلهية الثابتة، ومتطلبات الواقع، ويصبح الدين جامدا ومتحجرا وغير صالح لهداية الناس، وهذا من دون شك يتناقض حتما مع جوهر الدين ومقاصده في توجيه الحياة البشرية، وأختم بالمقولة المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبل، والتي أوردها الشيخ ابن القيم: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي؛ وخذ من حيث أخذوا».