تتشدد مواقف مصر والسودان على قاعدة تنسيق شامل ظهرت معالمه أخيرا، وتجريان مناورات عسكرية تحت اسم «نسور النيل»، وليس الهدف، حتى الآن، إشعال حرب بل الضغط لرفع المفاوضات من حفرة المماطلة التي تعمدت إثيوبيا إيقاعها فيها. فالحرب تقع عندما تنسد سبل السياسة. وأيا تكن الاتفاقات المحتملة، فإنها لن تلغي معطى واقعيا اعترفت به مصر والسودان، هو أن مجرى النيل لن يعود كما كان منذ وجد هذا النهر، أي منذ بداية الكون والتاريخ. حتى الحرب، التي ستكون حتما خسارة للجميع، وتصعب الإحاطة بمجرياتها، لا بد أن تنتهي بحلول تفاوضية يمكن التوافق عليها الآن وتطويرها بالممارسة، وبمعزل عن هول الأضرار التي تخلفها. فالبلدان الثلاثة وشعوبها تعاني من اقتصادات ستزداد ضعفا وتأزما إذا ما أضيفت إليها أكلاف الحرب، وستتعرض آمال التنمية ومشاريعها لانتكاسات كارثية فيتأخر خروج مصر من عنق الزجاجة وتتبخر آمال السودان في وقف الانهيار المالي وتتعثر رهانات إثيوبيا المعقودة على سدها.

عندما وقعت الدول الثلاث على «اتفاق المبادئ» عام 2015 كانت الكلمات المفتاحية فيه «التعاون» و«حسن النية» و«بناء الثقة» و«الإنصاف» و«التسوية السلمية للنزاعات». استغرق التوصل إليه وقتا طويلا، وقبل التوقيع كان كل من بنوده العشرة يحتاج إلى شروح تفصيلية مستندة إلى القوانين الدولية، تفاديا لـ«الشيطان الكامن في التفاصيل». تفاوضت مصر والسودان بذهنية واقعية ومستقبلية قوامها التعاون الإقليمي، واستندتا إلى معظم المفاوضات الدولية حول نزاعات مماثلة، بحيث يكون المشروع المقام على مجرى النيل متداخلا مع مشاريع تنموية في إثيوبيا وجوارها. وبناء على ذلك لم تتسلحا باتفاقات سابقة (خصوصا 1929 و1959) تتعلق بحصتيهما من المياه، ولم تنقضا حق إثيوبيا في بناء سدها بل أثبتتا مبدأ «عدم الإضرار بحقوقهما» الذي كان يستلزم إيضاحات فنية وقانونية.

لكن تجربة الأعوام الخمسة الماضية أفادت بأن أديس أبابا تفاوضت على «المبادئ» بذهنية ثأر تاريخي من اتفاقات سابقة رفضتها في حينها أو وقعت عليها (مع بريطانيا في 1902) ثم تنصلت منها، متمترسة وراء عصبية سيادية قد تكون مبررة لكن تحللها من أي اعتبارات تتعلق بالقانون الدولي أو المصالح الإقليمية لا يمكن تبريره. ويتبين الآن أنها استخدمت «اتفاق المبادئ» لتعتبر الاتفاقات السابقة باطلة وغير ملزمة لها، وبالتالي فهي متحررة من أي قيود قانونية مسبقة وغير مضطرة لإلزام نفسها بأي قيود جديدة، أي ليس قبل أن تنجز السد بمراحله كاملة. في المقابل كانت الانتقادات المشروعة، خبيرة أو مسيسة، تتهم القاهرة والخرطوم بـ«السذاجة» والانزلاق في «الخديعة» وتلفتهما إلى «مؤامرة» تبيتها أديس أبابا منذ زمن و«بالتواطؤ مع إسرائيل وأمريكا» لإبقاء البلدين العربيين مأزومين، ليس فقط بنزاعات حدودية وإقليمية بل بمشكلة حيوية تتعلق بالنيل، شريان الحياة.

بعد أيام من تنحي الرئيس الراحل حسني مبارك في 11 فبراير 2011 أعلنت أديس أبابا قرار إنشاء «سد النهضة» وما لبث رئيس الوزراء ملس زيناوي أن وضع الحجر الأساس في الثاني من أبريل. بدأت إذن أزمة مياه النيل ولم يكن اختيار اللحظة صدفة بل أخذ في الاعتبار أن مصر ما بعد «ثورة 25 يناير» ستنشغل لسنوات طويلة بترتيب بيتها الداخلي. بعد عامين في 2013 سرب تسجيل لنقاش دعا إليه الرئيس الراحل محمد مرسي عددا من الشخصيات النخبوية، وفيه شجع بعض الحضور على استخدام التهديد العسكري لإثيوبيا التي أصدرت ردا متحديا. ومع أن الأعوام التالية حفلت بالاتصالات الثنائية والمفاوضات الثلاثية والتذبذبات السودانية وماراثون الدراسات الفنية إلا أنها اتسمت خصوصا بالمماطلات الإثيوبية في انتظار اكتمال بناء السد ثم جهوزيته لعملية الملء الأول في الصيف الماضي. هنا أصبحت مصر والسودان أمام أمر واقع داهم، ومع اقتراب الملء الثاني في يوليو المقبل ومراوحة المفاوضات لم تعد هناك أوهام في شأن النيات الإثيوبية.

لذلك اختار الرئيس المصري لحظة انتهاء أزمة جنوح الناقلة «إيفر جيفن» والاهتمام الدولي بقناة السويس وموقعها ووظيفتها ليطلق تحذيراته شديدة اللهجة بالنسبة إلى مياه النيل، «الخط الأحمر» كما حدده، متوعدا بأن المس بمياه مصر سيهدد «استقرار المنطقة بالكامل». لكنه قال إن المعركة هي «معركة تفاوض» متمنيا التوصل إلى «اتفاق قانوني ملزم» بالنسبة إلى ملء السد وتشغيله. وبالطبع ينبغي انخراط الطرفين في التفاوض ليكون هناك اتفاق. لم تكن التحذيرات موجهة إلى إثيوبيا فحسب، بل أيضا إلى الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي لتفعيل ضغوطهما على أديس أبابا، فضلا عن الاتحاد الإفريقي راعي المفاوضات الذي أصبح متهما بأحد أمرين، الانحياز إلى إثيوبيا أو عدم أهليته للتوسط، وفي الحالين مست الحاجة إلى توسيع رعاية المفاوضات بإشراك الأمريكيين والأوروبيين والأمم المتحدة، علما أن هذه الأطراف توسطت مع إثيوبيا من دون جدوى، بل إن إدارة ترمب والبنك الدولي دعيا الأطراف إلى اجتماعين وأمكن التوصل إلى نص يحل كثيرا من العقد الفنية لكن أديس أبابا رفضت التزامه.

في أي حال أسهم تحذير عبد الفتاح السيسي في التعجيل بجولة تفاوض في كينشاسا، بعد انقطاع من نوفمبر 2020، ويفترض أن تكون مختلفة عن سابقاتها لا أن تستمر تمرينا جدليا آخر على منهج التفاوض، أو تفاوضا من دون استعداد للالتزام. فالعقدة تراوح الآن في المسائل الفنية التي أشبعت درسا وتنتظر موافقة الإثيوبيين عليها، تطبيقا لمبادئ التنسيق والتعاون وعدم الإضرار. والمطلوب عاجلا اتفاق قبيل موسم الأمطار، منتصف يونيو المقبل كحد أقصى. إذا أخفق هذا السيناريو واستمر التهرب من أي التزام قبل الملء الثاني تكون إثيوبيا كسبت سنة مماطلة أخرى، لكن عملية السد ستستغرق خمسا إلى سبع سنوات، وفي مصلحتها حماية سدها بالسلم وليس بالتعنت أو الحرب مع جيرانها. أي فشل جديد للمفاوضات سيعني بوضوح عدم وجود إرادة سياسية في أديس أبابا لإنجاز أي اتفاق، وتمسكا باعتبارات «سيادية» جرى التعبير عنها مرارا بأن النيل «ملكية إثيوبية»، وهذا في حد ذاته مخالفة للقانون الدولي تكفي لإدانتها في مجلس الأمن وتحذيرها من تهديد الأمن والسلم العالميين.

* ينشر بالتزامن مع النهار العربي