تنطلق، اليوم الخميس، أعمال قمة المناخ التي دعا إليها الرئيس الأمريكي جو بايدن، والتي تشارك فيها السعودية ضمن أهم الدول الفاعلة في مجال الطاقة والمناخ. يبدأ هذا الاجتماع بعد خطوات متلاحقة خلال الأسابيع الماضية، كان أهمها توقيع الصين والولايات المتحدة الأمريكية على بيان مشترك للتعاون في قضية أزمة المناخ، وهما يمثلان %35 من اقتصاد العالم، البالغ حجمه 130 تريليون دولار. تكمن أهمية هذه الاتفاقية، التي جاءت قبيل اجتماع اليوم الذي سينعقد ليومين، في أن الصين والولايات المتحدة يبعثان إلى الفضاء %50 من غازات الكربون التي تؤثر على طبيعة المناخ واقصادات الدول، بينما تعد الدول الأوروبية هي الأكثر واعدية للتأثر بأزمة المناخ من خلال ذوبان الجليد، وتراجع المعدلات الخضراء فيها، وزيادة موجات الحر، وفرص نشوب حرائق الغابات، وانحسار الموارد الطبيعية التي تتمتع بها أوروبا.

الخطر الحقيقي في أزمة المناخ هو ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بمعدل درجتين مئويتين ببلوغ 2100، مما يعني في نظرة الاقتصاديين تبدل الأوضاع الاقتصادية لكثير من الدول. إن أوروبا، وهي تواجه مشكلات اجتماعية حقيقية في معدلات النمو البشري واستيطان المهاجرين ومشكلات الطاقة، التي أدت إلى ظلام دامس لأيام في كبرى العواصم الأوروبية الشتاء الماضي، بحاجة كبيرة إلى مساعدة الأمريكيين، ليتجاوزا محنتهم الحقيقية، وأيضا للتقليل من التراجع الاقتصادي لمعدلات الناتج المحلي، حيث يتوقع أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي لدول أوروبا في 2050 بمتوسط %29 عن ما هو عليه بنهاية 2020، ولهذا فإن الموضوع بالنسبة لأوروبا وكندا هو تهديد اقتصادي حقيقي ينبغي التعاون نحوه.

على الجانب السياسي، تتولى أمريكا إدارة أزمة المناخ، ويعد الرئيس بايدن، الذي دعا إلى قمة المناخ 22 و23 أبريل الجاري، من أشد أنصار أزمة المناخ على الرغم من أن الولايات المتحدة ستتأثر صناعتها النفطية بسبب القيود التي ستفرضها اتفاقيات المناخ لاحقا، وهو ما يتوقع أن تسوّق له أوروبا لتأخذ مقابلا ماليا مقابل الكربون المنبعث الذي ستتأثر به سلبيا.

في 2020، بعث العالم نحو 30 مليار طن متري من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2)، بالإضافة إلى 5 مليارات طن متري من غاز الميثان (CH4)، وما يقارب الـ5 مليارات طن متري من أكاسيد النيتروس بانخفاض %6 عن 2019، ويتوقع أن تزداد النسبة هذا العام لتعود إلى مستويات 2019 بسبب عودة حركة الملاحة الجوية والمواصلات الثقيلة وعودة السيارات إلى الشوارع بعد رفع الحظر وفتح الحدود بين الدول.

وعلى الرغم من أن الصين تعتمد كثيرا على الفحم الحجري الذي يعد هو المصدر الرئيسي لغازات ثاني أكسيد الكربون، والولايات المتحدة لديها قدرة تصديرية في مجال الفحم الحجري، وبالفعل قد أبرمت صفقة تجارية في فبراير الماضي بـ53 مليار دولار، لبيع الفحم الحجري للصين على سنتين، فإن أهمية التعاون الصيني - الأمريكي تأتي في مجال تطوير بدائل الطاقة واستخدامها في سبيل الحفاظ على سلامة كوكب الأرض، حيث إن الصين لديها قوة في هذا المجال على الرغم من أنها تعتمد على استيراد النفط كثيرا، والفحم الحجري من أمريكا وأستراليا، وأمريكا أيضا لديها القوة في هذا الجانب على الرغم من أنها أكبر منتجي النفط في العالم، وتستورد حجم ما تنتجه أيضا.

في حقيقة الأمر، وعلى الرغم من المقاصد الأوروبية السياسية من خلال قضية التغير المناخي، فإن الأذكياء فقط هم الذين بادروا لتبني وسائل نظيفة وخضراء لتقنيات الطاقة، والسعودية خير مثال على مستوى العالم، لأنها بدأت فعليا في تعظيم مصادرها المتجددة للطاقة، وضخت المليارات في سبيل إنشاء بنية تحتية للطاقة النظيفة، وهي بهذا العمل تكسب ميزتين تنافسيتين: الأولى دمج التقنيات النظيفة مع اقتصاد ما بعد «كورونا»، فالاقتصاد بعد «كورونا» لن يمضي بالاندفاعية نفسها التي كانت قبل «كورونا»، بل إن الكثير من القيود والضمانات يجب أن توضع في خطط الاقتصاديين، والثانية هي استثمار النهضة المجتمعية الكبيرة في السعودية بتبني ثقافة «الطاقة الخضراء» في الصناعة والتجارة وحتى في الاستخدام المنزلي والشخصي.

ومع هذا لا يزال النفط السعودي قويا، معتمدا على إستراتيجيات العرض والطلب، ومشروعات التحويل إلى بتروكيماويات بخطوة واحدة، وليس من مصلحة أمريكا ولا الصين إلغاء النفط كرافد أساسي للطاقة العالمية.