في لفتة أبوية حانية، وبادرة إنسانية غير غريبة، قام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، في ليلة العيد، بالتسجيل في برنامج التبرع بالأعضاء، في إطار ما يحظى به مرضى الفشل العضوي النهائي من عناية بالغة من لدنهما، وتشجيعا للتسجيل في البرنامج؛ لما له من أهمية في منح الأمل للذين تتوقف حياتهم على زراعة عضو جديد.

المبادرة الملكية حركت في النفس شجونا قديمة عن هذا الموضوع الحيوي، وأبدا بموقف هيئة كبار العلماء؛ ففي مثل هذا الشهرـ شوالـ وتحديدا في 25 منه، قبل 40 سنة، عقد مشايخنا في الهيئة، بالطائف، جلسة مخصصة للبحث في حكم نقل عضو من إنسان لآخر، بناء على الأسئلة الواردة للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وفيها رجع المجلس لقراره عام 1396، عن حكم تشريح جثة الميت، ولقراره بعده بعامين عن نزع القرنية، ولقراره بعده بعام عن التبرع بالدم وإنشاء بنك لحفظه، واستمعوا لبحث اللجنة الدائمة، وبعد مناقشات ومداولات استغرقت قرابة 10 أيام، أعلن المجلس بيانه رقم 99، وفيه إقراره (بالإجماع) على: «جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي لنفسه إذا ادعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه»، وإقراره (بالأكثرية) على: «جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت لمسلم إذا اضطر لذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه»، و«جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه لمسلم مضطر لذلك»؛ وتعني كلمة (الأكثرية) الأغلبية، إذ اشترط الشيخ راشد ابن خنين إذن الإنسان المسلم قبل موته فيما ينقل من أعضائه بعد موته، وتوقف عن الحكم الشيخان عبد الله ابن قعود، وعبدالعزيز ابن باز، رحم الله الجميع.أما الشجن الثاني، فيعود إلى «المؤتمر الدولي الخامس لأمراض وجراحة القلب»، الذي عقد بجدة، في شوال عام 1427، وفي ورقة عمل عنوانها «الحق في الحياة»، تطرقت لموضوع «الاستنساخ»، بما لا مناسبة لذكره هنا الآن، وتطرقت لموضوع «التبرع بالأعضاء»، وقلت يومها: «في مسألة الأعضاء ونقلها من الموتى للأحياء، لا بد من الموازنة بين حقين، أو بين مصلحتين، أو دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف؛ فالإنسان إذا مات ودفن مآله نعرفه جميعا، فهل هذا المآل أفضل أم انتفاع إنسان حي مد الله في عمره لأجل لا يعلمه إلا هو، بعضو من هذه الأعضاء التي سيأكلها الدود ويفنيها التراب؟ لا شك- أن الموازنة بين المصلحتين هي مفتاح الاجتهاد هنا، فليس من الإهانة في شيء أن يستفاد من عضو إنسان انتقل لرحمة الله، ليعيش به إنسان آخر حياة أكثر سعادة أو أقل مشكلات»، وأذكر أني تمنيت في ذلك اليوم- وأجدد وأشدد على الأمنية اليوم- أن «يصدر تشريع يفرض نقل الأعضاء ممن يتوفى، حتى ولو لم يعط إذنا بذلك قبل وفاته».

خاتمة:

الامتثال الكريم من ولاة أمرنا لقول الحق، تعالى،«..وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..»، دعوة للكل للاقتداء والمبادرة بالتسجيل في المركز السعودي للتبرع بالأعضاء؛ أسأل الله أن يجازيهم عنا خيرا، وأن يحفظهما بحفظه.