واحدة من أهم الأوصاف للقائد الفرنسي نابليون بونابرت تلك التي أطلقها الفيلسوف الألماني هيجل في مقولته الشهيرة التي يقول فيها منبهرا عند رؤيته للقائد الفرنسي الملهم: «لقد رأيت الإمبراطور، لقد رأيت روح العالم يمتطي جواده...».

يجب أن نتوقف لنتأمل قليلا وصف «روح العالم» فهذا القائد القوي، نابليون، ليس مجرد قائد عابر للتاريخ، بل هو القوة المحركة للوجود كما يعتقد هيجل، بفضله يتقدم التاريخ ويتطور، إنه عميل للتاريخ أو وكيل له كما يصفه، أي أن نابليون ينفذ إرادة التاريخ ويحقق رغبته. ووصف هيجل لنابليون لم يكن تملقا أو خيانة وطنية كون نابليون كان يغزو بلاده ألمانيا، ولكن وصفه بروح العالم كان جزءا من فلسفته للتاريخ. فقد منح هيجل ممدوحه أوصافا أسطورية تؤكد كونيته، متجاوزة بذلك الحدود المتعارف عليها إنسانيا.

كيف يمكننا أن نربط بين وصف هيجل للفارس المقدام والشجاع نابليون، وبين شعر المدح في التراث العربي، كون شعر المدح يمثل قطبا رئيسا في الأدب العربي لا يمكن إغفاله، فضلا عن كون الفروسية والشجاعة والزعامة تمثل بنية التفرد في المجتمع العربي آنذاك، ولا يمكن اختزال أغراض قصيدة المدح في التكسب والتملق، فقصيدة المدح ليست مجرد انعكاس مبسط لرغائب أفرادها، ودلالاتها المتنوعة أكبر وأعمق من أن تنحصر في بعد واحد، فهي لا ترضخ لآنية موضوعها أو عرضية دافعها، فغرض التكسب يعد هدفا عرضيا هامشيا في قصيدة المدح وليس الأساس فيها.

المدح كخطاب شامل في المجتمع يعد أداة من أدوات ترسيخ القيم والمُثل العليا التي يتطلع إليها المجتمع، كما أنه أداة من أدوات إبداعها، في مجتمع يتطلع دائما لميلاد القائد والشجاع والكريم ترقبا لأمن الحياة وطمأنينتها، فوجود الفارس المقدام والكريم الشهم أحد شروط التجمع البشري الآمن في زمن يعتمد اقتصاده على الغزو والحرب والثأر، ومن خلال هذا النمط الاقتصادي بظروفه القاسية يتشكل المجتمع وتتوزع ديمغرافية سكانه.

هؤلاء الأبطال الروحيون الذين أعلت الثقافة من منزلتهم وأصبحوا وما يحملونه من قيم عليا أدوات للتلاحم الاجتماعي في الأزمنة الماضية، صورهم شعر المديح العربي بهيئة مخلوقات ما ورائية أو أبطال خارقين تتعلق بهم كل قيم المجتمع التي يجسدونها قولا وفعلا، وهذه القيم والمُثُل العليا التي فاضت بها قرائح الشعراء والذوات والمبدعة تشكل آمال مجتمع يدرك جيدا دور القيم في المجتمع وقدرتها على حماية تماسكه. فأغراض قصيدة المدح كما أسلفنا أكثر تركيبا وتعقيدا من مجرد اختزالها في أهداف نفعية عرضية سطحية.

حظيت قصيدة المدح بكامل الاحترام والتقدير في العصور القديمة، فهي تمثل البوتقة التي تنصهر فيها الروح الجمعية المتطلعة إلى تحقيق النموذج والمثال في مجتمعات بسيطة لا يرضخ أفرادها لقواعد العرض والطلب ومعايير السوق ومجتمع الأعمال الجامح الذي يرتبط أفراده بروابط تعاقدية تبادلية نفعية في شتى نواحي الحياة وفي أبسط العلاقات الإنسانية. فالكريم الشهم والفارس الشجاع فقدا منزلتهما الرفيعة في مجتمع السوق، ولأننا اليوم نعتنق عقيدة السوق ونعيش وفق شروطها أصبحنا نحاكم المادح والممدوح في قصيدة المدح بمعايير العرض والطلب والربح والخسارة، إننا نحاكمهم بقيمنا وبشروط عصرنا، فنحن لا ندرك التحولات الاجتماعية التي كونت ثقافتهم والعوامل المعقدة التي يلتقي فيها التاريخي بالآني والتي صنعت رؤيتهم للحياة.

تعيش بيننا قصيدة المدح اليوم في غربة بصفتها موروث لا أكثر، بعد أن وجهت لها ثقافة السوق أصابع الاتهام، وقامت بتصفية أبطالها الروحيين وتحييدهم في هامش المجتمع، فليس هناك من اعتبار إلا للقيم التبادلية بعد أن تحول الفن إلى بضاعة رخيصة راضخة لقواعد الطلب والعرض. يقول المفكر الأمريكي هربارت ماركوز في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» شارحا أثر ثقافة المجتمع الصناعي على قيم الثقافة القديمة بقوله: «وإذا كانت هذه الثقافة قد شوهت فهذا لأن المجتمع الصناعي المتقدم يملك الآن إمكانية تجسيد مُثُلها العليا. فهذا المجتمع قادر على أن يقلص تدريجيا المجال المتسامي الذي صور شرط الإنسان وأضفى عليه صفة مثالية ووضعه في قفص الاتهام. وهكذا تصبح الثقافة الرفيعة جزءا لا يتجزأ من الثقافة المادية. وتفقد بالتالي، بحكم تحولها هذا، الكثير من حقيقتها».