في قصة فلسفية منسوبة إلى سقراط، أن رجلا قال له إن تلك المرأة تبدو فاجرة، فأجابه سقراط هل تعرفها؟، فقال الرجل: لا. ولكن ألا ترى كيف تبدو ملابسها! فسأله سقراط أيهما يحقق الفضيلة الظلم أم الحق؟، فقال الرجل: الحق طبعا، فبادره سقراط بقوله: وهل الحكم بالظن من أوجه الظلم أم أوجه الحق؟، فأجابه الرجل، بل من أوجه الظلم. عندئذ سأله سقراط: وهل حكمك على تلك المرأة بالفجور، من باب الظن أم اليقين؟، فقال الرجل: بل من باب الظن. فقال سقراط: وأيهما أقرب للفجور، من يحكم على الناس بالظن والظاهر، أم من يلتزم الصمت؟ فقال الرجل: بل من يحكم بالظن. فاستدركه سقراط قائلا: فمن اليوم يا ترى، هو الفاجر أنت أم تلك المرأة؟

على الرغم من عدم وجود معطيات كافية في معظم الأحيان، للحكم على الآخرين لا سيما أولئك الذين لا نعرفهم، إلا أن البعض منا لا يتردد في إطلاق الأحكام عليهم. ورغم أن هناك أشياء في مظاهرنا لا تخضع لإرادتنا، ولكنها تخضع لإرادة الرحمن، كالوسامة والقبح، والطول والقصر، والنحافة والسمنة، ولكنها بالتأكيد هي معطيات غير دقيقة للحكم على جوهر الناس ومعدنهم. كما أن في مظاهرنا أشياء نستطيع التحكم بها وتطويعها، كاللبس وحلاقة الشعر وإطالة اللحية، ولكنها أيضا مظاهر لا تعكس الجوهر الداخلي للبشر، ولا تخولنا للحكم على تلك الفئة من خلال مظاهرهم، والتي قد تكون براقة وزائفة. وعلينا أن نتذكر أنه عند لقائنا الأول بأي شخصية، فإن الانطباع لا يخرج عن أمور ثلاثة، إما القبول المطلق، أو الرفض المطلق، وكلاهما جائر، أو تحديد موقفنا تجاه الآخرين من خلال حقيقتهم.

إن من أعظم الأمراض التي قد نصاب بها، سوء الظن بالآخرين، والتسرع بإطلاق الأحكام السلبية، من غير التعمق في فهم الأسباب.

يقول ابن سيرين رحمه الله «إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل لعل له عذرا لم أعرفه».

إطلاق الأحكام السلبية بحق الآخرين، قد يولد أذى نفسيا، لا سيما وتلك الأحكام لا يمكن التخلص منها بسرعة، وتترك الطرفين في مواقف سيئة، يترتب عليها الكراهية والعداء. إن إطلاق الأحكام المتسرعة قد يترتب عليه أمور بشعة، وأمراض نفسية خطرة، كالعزلة وتجنب المجتمع، والانفصال عن المحيط العائلي. وعلينا تذكر أن الجميع يخطئ، وطريقة تعاملنا مع تلك الأخطاء، وتحملنا لنتائجها هو ما يجعلنا أقوياء أو ضعفاء، وأن نكون قادرين على النهوض مجددا أو السقوط. كما أن علينا تذكر أنه مهما اجتهدنا في تقييم الآخرين، وإطلاق الأحكام عليهم، فإن ذلك يتم من خلال زوايا محددة، لا تشمل الصورة الكاملة والواضحة عن ذلك الشخص. الحكم على الآخرين مرض خطير، ساهم في تقسيم الأفراد والمجتمعات، وتصنيفهم إلى فئات متعددة، ولهذا ما أحوجنا إلى غرس مبادئ التسامح والرحمة وحسن الظن، في نفوس وعقول الأبناء. فدعونا نحسن الظن بالآخرين، ونترك النوايا لرب النوايا، فللقلب راحة عظيمة، وللنفس سعادة كبيرة في حسن الظن بالآخرين.