ربما سيكون سؤالاً ساذجاً لو عرفنا أن الانتخاب سيكون عبر الطرق التقليدية، أو كما كان في عقود القرن العشرين الأولى وما قبلها، حينما كان يُحرم بعض الرجال من الإدلاء بأصواتهم، باعتبارهم غير مؤهلين للانتخاب، فضلا عن كل النساء. ولو كان الأمر بيدي لأرجعت عقارب الزمن إلى الوراء، وجعلت الانتخاب حقا للمؤهلين فقط، سواء من الرجال أو النساء، فمن لا يؤمن بالاختيار ويترك الناس تختار له من يقوده، باعتقادي هو إنسان غير سوي، ولا يحق له الإدلاء بصوته.

هناك من يقول لماذا ننتخب إذا لم يتغير الحال فربما ستُزور الانتخابات، وهو يريد هنا أن يحصل على النتائج قبل أن يعمل، ويريد أن يحصد قبلأن يزرع، هناك أيضا من يدعي ببدعة الانتخابات ويسميها الكذبة الكبرى، وهي كلمة سمعها ولم يتحقق منها، وظل يرددها مثل الببغاء فهو لا يستحق الانتخاب أيضا لأنه لم يأت بالبديل.

كما أن هناك مجموعة كبيرة من الناخبين تذم الأحزاب، وتدعو عليها بالويل والثبور، لكنها بنفس الوقت تتغزل بالديمقراطية صبحا ومساء، وتتعاطى كؤوسها في المقاهي والجلسات حد الثمالة، والبعض منهم متحزب حد النخاع، والأدهى من ذلك منهم من يعبد سياسيين من دون الأحزاب، وهذا أشد أنواع الشرك الديمقراطي. فلو جمعنا أعداد هؤلاء لضاق بنا العد كما قالها أحد المطربين، وهم برأيي المتواضع غير مؤهلين للانتخاب، فمن لا يعرف أن الأحزاب هي أساس الديمقراطية في كل بلدان العالم، غير مؤهل أن يصوت في يوم الانتخاب، وعليه أن يعرف بأن بديل الأحزاب خياران لا ثالث لهما، إما الفوضى التي اكتوينا بنارها بعد التظاهرات ولا زلنا نعاني منها، أو الديكتاتورية وحكم العسكر.

كل تلك الأنواع تؤكد أن غير المؤهلين كثيرون، وهم سبب رئيسي في تراجع نتائج الانتخابات عما قبلها، وتأثيرهم هو الأكبر في عدم تغيير حال البلد نحو الأفضل، فالعودة إلى القرون الأولى وتقسيم الناس بين مؤهل وغير مؤهل ضرورة قصوى لبلد مثل العراق، لأن الديمقراطيات الكبرى كبريطانيا وفرنسا وسويسرا مرت بهذه الحالة، وأصبحت لدى مجتمعاتهم خبرة تراكمية كبيرة، وبات الانتخاب وسيلة للتغير واختيار الحزب الأفضل والمرشح الأفضل هو الشغل الشاغل للمواطن، والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الشعوب الديمقراطية أيقنت أن الانتخاب هو الطريقة الوحيدة لتغيير بلدانها نحو الأفضل، بينما في وضعنا الحالي، بدلا من لعن الديكتاتورية الذي سلبت نصف أعمارنا، ندعو بالعودة إليها، لأن الانتخاب بالنسبة لنا صعب مستصعب، فحن كتنابلة الرشيد حينما أنقذهم رجل ثري من براثن النهر، قالوا له لو كان الثرد علينا عد بنا إلى النهر!

لذلك فإن الانتخاب ثقافة مجتمعية وبذرة ديمقراطية توضع في قلب المواطن، فإن وجدت الحرص والمسؤولية والمواطنة الحقة نبتت واخضرت وأزهرت وأثمرت وأينعت بالتغيير نحو الأفضل، سواء بالانتخاب أو المقاطعة «الواعية»، وإن لم تجد غير اليأس والنكوص والبلادة والبلاهة وترديد مصطلحات غبية مؤدجلة، ماتت هذه البذرة، وبقيت الأصوات النفعية والمصلحية غير المؤمنة بالديمقراطية تتحكم بمصير البلد وشعبه وتقلبه ذات اليمين وذات الشمال ماليا وصحيا واجتماعيا وتحوله من سيء إلى أسوأ.