لا يُمكن وضع رموز عصابة من يُطلقون على أنفسهم «حلف تحرير القدس»؛ في الصفحات البيضاء من التاريخ الذي سيكون شاهداً على أحداث المنطقة المتلاحقة. ويصعب تصديق مثل ذلك الشعار الخاص بالحلف الآنف ذكره، وتكريسه، للاستحواذ عليه، مقابل تجريد الأمة من قضيتها المركزية، قضية فلسطين.

ويستحيل قبول حالة استفزاز إسرائيل ذات القوة الضاربة بين فينةٍ وأخرى، فقط لمجرد المساهمة في تضخيم الشعار الزائف، الذي تسير في فلكه كيانات سياسية طائفية، تلقى حاضنةً شعبية من قبل الجهلة والبسطاء.

فمحور المقاومة المزعوم، والذي يُحاول نفض عباءة الماضي؛ من خلال التحوّل لشعار جديد يُعنى بتحرير القدس، واقتصار هذا الأمر على فئة بعينها من الميليشيات المسلحة التي يغلب عليها طابع التطرف والإرهاب، بقدر ما أسهم وعلى مدى عقود في فتح حروب عديدة مع الجانب الإسرائيلي، بقدر ما تسبب في دمار لدول عربية كلبنان وفلسطين وسورية، وأجزاء من العراق، بدليل الحالة العامة من الرجعية والتخلف التي تُعاني منها تلك الدول، ذات التاريخ والإرث الحضاري الذي تم تجاهله، على حساب مشروع الارتزاق الحديث. ولعلي أستذكر أهم الأزمات المفتعلة التي أقدم عليها حزب الله في لبنان مع الجانب الإسرائيلي، كالحرب المعروفة باسم «حرب تموز 2006»؛ التي تسبب بها الحزب نظير خطفه مجندين إسرائيليين، والتي خلّفت ما يزيد عن 1000 قتيل لبناني، ودمار في البنية التحتية لمناطق لبنانية، وهي الحرب التي لم تكُن مُبررة، إنما كانت تُعبر عن العنجهية التي يرتدي قناعها ما يعرف بـ«محور المقاومة»، والإرهاب الذي يتغذى عليه حسن نصر الله ويضعه رافعةً لوجوده كزعيم سياسي يحل ويربط، ليس في لبنان وحسب، بل تجاوز الأمر إلى أن بلغت سطوته ونفوذه قطاع غزة الخارج عن إدارة الحكم الرسمية الفلسطينية.

ولا تقل حركة حماس إرهاباً عن حزب الله؛ وهي الحركة الأصولية التي خرجت من رحم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية؛ والتي لجأت يوماً ما لاعتماد منهجية الانتحاريين، دون إعارة أدنى قيمة لحياة الإنسان، الذي تتشدق بتحرير أرضه من قبضة الاحتلال. وسلكت أخيراً مسلكاً هشاً، يقوم على الترويج لصواريخها «الكارتونية»، التي جلبتها من الجمهورية الإيرانية، والتي تفتقر لأدنى معايير الحروب أو المواجهات ليست الإستراتيجية، بل حتى الشوارعية والصبيانية، من خلال جوقة من وسائل الإعلام التي تقتات على النعرات الطائفية ونشر الفتنة وضرب النسيج العروبي.

وما الحرب الأخيرة التي سمتها الحركة «معركة سيف القدس»، إلا تأكيد على حالة الإفلاس التي تعتمد على تعظيم المشروع الإيراني والتسويق له، دون مراعاة أنه يرمي لعزل الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره عن محيطه العربي، من خلال الإرادة الحمساوية، التي تنهل من نهج «ولاية الفقيه، والإخوان المسلمين».

ما الدليل على ذلك؟ قول نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -القيادة العامة - أبو أحمد فؤاد؛ الذي زار لبنان ضمن وفدٍ رأسه إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس «إن مستقبل العلاقات مع إيران قائم على أساس أن هناك كيانا صهيونيا ليس معادياً للشعب الفلسطيني فقط، بل للأمة العربية والإسلامية بأسرها».

طبعاً أفهم أن مفردة «الإسلامية» المقصود بها إيران، باعتباره قال يوماً ما «إن آية الله خامنئي رسم خارطة تحرير فلسطين».! والعربية تعني كل ما يتوافق ويتطابق في الرؤى والمنهجية مع ما يُطلق عليه «محور المقاومة»، أو «حلف تحرير القدس».

خلاف ذلك فهو في خانة أعداء تلك الجماعات الهزيلة، كدول الخليج على سبيل المثال.

أتصور أن ما تسبب به قادة تلك الفصائل المتطرفة والهزيلة ورخيصة القيمة، يستدعي إعادة نظر في توجهاتها الأزلية والانصراف عن تأييدها، والأهم من ذلك هو تبني فكرة مشروع محاسبة أولئك الزمرة أمام المحاكم الدولية المشهود لها بالنزاهة، جراء ذهاب آلاف الأرواح نتيجة انفعالاتهم وتطرفهم المبني على حقائق تاريخية وليست عواطف أساسها تزييف للحقائق، كوصف إسماعيل هنية خلال لقائه حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أيام، للحرب الأخيرة التي استمرت 11 يوماً دك بها سلاح الجو الإسرائيلي غزة عن بكرة أبيها بــ«النصر الكبير».!

فالإنسانية الحقَة تفترض أن تكون مقصلة التاريخ وأحبال المشانق هي المستقر الأخير الذي تنتهي إليه تلك الشخصيات، باعتبار تلك الرموز اقتاتت لسنوات على دماء الأبرياء والعُزّل، وتسببت في مزيد من جروح الأيتام والثكالى، تحت ذريعة شعارات مزيفة، هدفها الأول والأخير كسب أكبر قدر من الجماهيرية والحشود، وفق معادلة «العقل الجمعي»، المستند على وعود كاذبة، لن يتمكنوا من تحقيقها إلى أبد الآبدين.

والوقائع تؤكد أن المدعو حسن نصر الله في لبنان، وإسماعيل هنية وخالد مشعل في قطاع غزة المختطف، وجرذ الحوثي المختبئ في جبال اليمن، وبعضاً من المجرمين في العراق؛ لا يبتعدون في صور الشر التي مثلها أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الذي سعى لإيذاء العالم وقُتل على يد فرقة مارينز أمريكية، يُشاركها «كلبٌ يُدعى كايرو»، والمقبور صدام حسين الذي خُيَل له أنه زعيم الأمة، ووُجد في حفرة تحت الأرض، والقذافي الذي كان يطلق على نفسه ملك ملوك إفريقيا وعُثر عليه في نفقٍ للمجاري، وعلي عبد الله صالح الذي انتهى ذليلاً في صندوقٍ لعربة نقل، بعد أن وصف نفسه بالراقص على رؤوس الثعابين.

إن هؤلاء برغم ما كانوا يتمتعون به من جبروت وسلطة ونفوذ وظلم وقسوة بحق شعوبهم، إلا أن القدر تمكّن منهم إلى أن أوقعهم في شر أعمالهم، التي لا تقل في حجمها عن جرائم أشباههم من السفاحين، ولا يزالون يعبثون في الأرض ومصير الشعوب، كالأسماء المقيتة السابق ذكرها.

إن نهايتهم وإن تأخرت قليلاً من الزمن، إلا أنها ستأتي لا محالة، المُهم أن يعمل من يُمكن أن يرون أنفسهم شُرفاء على محاسبة الإرهابيين دون التفكير بعاطفة، حتى لا يصبحوا ضحايا لإرهابهم.

يُفترض أن يتبعوا نهج العدالة لدماء الأبرياء.. ويُحاكموهم. المهم أن يكونوا رجالا، فالمقصلة نهايتهم، وإلى مزبلة التاريخ.