وأحسست أني أريد أن أكتب للمسرح، ربما دفاعا عن المسرح الذهني والفكري وعن مسرح توفيق الحكيم، ودفعا لدعاوى تبرر مسرح النكات الهزلية أو الفواجع الميلودرامية، وهما عمودا المسرح المتكلف والمصطنع والخاوي والأجوف الذي كان يغلب على حال المسرح في الخمسينيات بالقاهرة.

وقد تعرفت بالصديق العزيز والفنان الرائع حمدي غيث في تلك الحقبة، وكان عائدا من بعثته إلى فرنسا مع نبيل الألفي، وكان على رأس جماعة الفنانين الشبان من خريجي معهد التمثيل الذين كانوا يضيقون بحال المسرح وبالفرص الضيقة أمامهم. ولما شاهدت مسرحيتين آخرهما «مقالب سكابان» موليير و «شاعر الشعب» بانفيل أحببت أسلوبه الحداثي في الإخراج، وتغلبت على حيائي وسلمته مسرحيتي «مأساة إخناتون» التي أشار عليّ صديقي العزيز الراحل «رشدي صالح» بأن أسميها «سقوط فرعون» ليكون الاسم أكثر جاذبية للمشاهدين، ففعلت.

ولما قرأ حمدي غيث مسرحيتي ورآني صاح بي «نحن نبحث عنك منذ سنوات»! قلت له «كنت معك أول أمس»! قال لي: «نعم، ولكنني لم أكن أعرف أنك كاتبنا المسرحي الجديد الذي سيرفرف فننا مع أوراقه لنحلق في الأجواء الرفيعة»! فما كان أروع وقع هذه الكلمات في نفسي!.

وقد تحقق بذلك موعدنا، حمدي غيث ومحمد الطوخي وسميحة أيوب وحسن يوسف ورجاء حسين وسهير البابلي وعبدالله غيث ومحمد الدفراوي وسناء جميل، مع حسين رياض وشفيق نورالدين وحسن البارودي وفاخر فاخر، وكاتب هذه السطور في أول لقاء متوهج لي معهم، ومع الجمهور، لنتبادل مع الجمهور مشاعر الدهشة والاكتشافات في إطار من المسرح «الجديد» 1957 في أول السنوات التي سميناها فيما بعد سنوات «النهضة المسرحية»، وكنت في أول الشباب، وكنت أشعر في أعماق النفس أن الأيام ذاتها كانت تتألق في ريعان شبابها.

وقد أحدثت مسرحية «سقوط فرعون» هزة في المياه الراكدة للمسرح المصري آنذاك، فصحا النائمون ساخطين، وانتبه غير المتوقعين في حال من الغضب، أما الذين توقعوا النهضة للمسرح المصري فقد استقبلوا «سقوط فرعون» بابتهاج وترحيب. نجحت «سقوط فرعون» في أن تجتذب للنقد المسرحي أقلامًا كثيرة، تراوحت مقاصدها بين التنديد بالنص المسرحي وبين الثناء عليه، وصارت المسرحية من كثرة ما كتب عنها في مجالات النقد والأنباء والكاريكاتير حديثا للمدينة، كما يقولون، نقدها الكثيرون نقدا مرا وأثنى عليها أربعة -فيما أذكر- هم عبدالرحمن الشرقاوي وفتحي غانم وصلاح عبدالصبور وإدوار الخراط.

وربما كان كل هذا النقد الذي قارب الخمسين مقالة قد حير الرقابة التي اكتشفت للمسرحية أهمية لم تكن في حسبانها وقت إجازتها قبل الإنتاج بالمسرح القومي آنذاك، فأعادت دراسة المسرحية والبحث بين سطورها والتعسف في تأويل معانيها، وحارت في التحاليل الفنية والأدبية المتضاربة والتي تداولتها أنهار المقالات، فقررت الأخذ بالأحوط والأمر بابتسار عرض المسرحية التي لم تكن قد أكملت بعد أكثر من أسبوعين أمام الجمهور.

وقد تعرضت إثر ذلك ومن جرائه لمحنة عمري! وعرفت مرارة الأيام في ظلام القيد، وتعلمت في القيد وبالضد درس الحرية والديمقراطية، وعرفت المعنى الأسود لأخذ الناس بالشبهات وتحطيم الأقلام.

ولكني من خلف أطباق الظلام رأيت ضوء شمعة صغيرة، ورأيت على ضوئها رسمًا غامضًا اتضح مع التأمل والتفكير ومع الأيام، هو صورة أبي الفضول «حلاق بغداد». وتأملت شخصيته التي صارت تبني نفسها أمامي وتستكمل ملامحها أمام عيني، فإذا هو «ابن البلد» المرح الجاد والمهزار الطيب، وتعزيت بفضوله عما لحق بي بسبب فضولي، وبسبب اقتحامي القضايا السياسية من دون «رخصة»! مثلما اقتحمت المسرح من غير تذكرة أو تصريح من العمد المسرحيين، أمني النفس بالنجاح والتوفيق، وأمني النفس بدعم تيار المسرح الفكري «والذهني» والمسرح «الناعم» والمسرح «الهامس» بديلا عن المسرح الزاعق والمسرح الصاخب، إلى جانب توفيق الحكيم، فإذا أنا في غياهب الظلام وفي غيبة أبعد من غيبة المنفى، وفي قيد واحد أنا وقلمي وحريتي وأيامي!.

كنت أغمض عيني فلا رأي إلا أبا الفضول، وأعرف فيه ما عرفته في نفسي من الغرور والجرأة على ادعاء القدرة على الإصلاح والافتنان بادعاء القدرة على نجدة الآخرين بالنظر في أسرارهم! وهل كنت أتصور له أن يبرأ من خصاله ومن فعاله وهي ذات خصالي وفعالي وقوام شخصيتي؟ وهل كان حاله غير حالي وهو الذي كان عندي مثل صورتي في مرآة أتطلع فيها؟ لذلك لم أتردد، وتبعت صورة «أبي الفضول» بهمة وتابعته وصورت حاله في الكوميديا الأثيرة عندي «حلاق بغداد»، فما إن عرضها المسرح القومي سنة 1963 حتى أقبل عليها الجمهور إقبالاً غير مسبوق وأجمع النقاد وكتاب الأركان والأعمدة الصحفية على تزكيتها والثناء عليها، فنسيت آلامي وأيامي الضائعة، وتأكد لي وللفنانين من رفاقي والنقاد والمشاهدين أن التأليف المسرحي هو مهنتي وقدري وحياتي، وأنني أبدأ مشوارا طويلا في الأدب المسرحي وفي الفن المسرحي بما يعرف القراء مراحله وثمراته.

1996*

* كاتب وناقد مسرحي مصري " 1929 - 2005".