رغم أن قضية تغيّر المناخ، كانت وستظل الشغل الشاغل، على طاولة المؤتمرات والمنتديات والاتفاقيات العالمية، كونها الضامن الحقيقي لتمتع الناس في العالم بالصحة والازدهار، والحصول على الغذاء والهواء والماء النظيف، إلا أن تلك الجهود في الحقيقة، لم تكن كافية لمواجهة الطقس المتطرف، الذي نعيش أجواءه الكارثية هذه الأيام، والذي يعزى إلى ظاهرة التغيُر المناخي العالمي، التي تسببت في ظواهر جوية أكثر تطرفاً، كالعواصف والموجات الحرارية الشديدة، والفيضانات والأمطار الغزيرة والرعدية، التي باتت تهدد سلامة وصحة الإنسان بصورة مباشرة وغير مباشرة.

منذ أسابيع سمعنا ورأينا جميعا في وسائل الإعلام كافة، سواء التقليدي أو الجديد، التداعيات الخطيرة للتغيرات المناخية التي ضربت مناطق الكرة الأرضية، من القطب الشمالي إلى الجنوبي، حيث حدث تأثير التغيرات المناخية على البشر وعلى الأرض كاملةً، بدءا من حرائق الغابات المستعرة، عبر الساحل الغربي للولايات المتحدة، وكندا وإيطاليا وسيبيريا، مرورا بأسوأ موجة جفاف في مدغشقر، وكذلك الأعاصير الشديدة وموجات الحر في أستراليا، وصولا إلى الفيضانات القاتلة الناتجة من هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة، قلبت ولا تزال مظاهر الحياة منقلبة رأساً على عقب في كل من الصين وألمانيا وبلجيكا، وكذلك الحال بالنسبة لنيجيريا وأوغندا في أفريقيا، وأيضا الهند في آسيا.

وكجزء من هذا العالم الكبير، لم تكن مملكتنا الحبيبة في منأى من تأثير التغيُرات المناخية، فقد عايشنا أيضا هذا الطقس المتطرف، حيث شهدنا خلال الأيام الماضية، هطول أمطار متوسطة إلى غزيرة، و زخات من البرد لم يسبق أن شاهدنا مثلها في فصل الصيف، حتى إنها وصلت في بعض الأحيان إلى مستوى السيول، في أجزاء كثيرة من مناطق المملكة، لا سيما في منطقة الرياض.

لا شك أن الظواهر السلبية التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة، سلطت الضوء على الآثار الكارثية لتغير المناخ، الذي يعزى إلى ظاهرة الاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري. فخلال الـ 150 سنة الأخيرة ومنذ الثورة الصناعية، أدى التوجه نحو تطوير الصناعة، إلى استخراج مليارات الأطنان من الوقود الأحفوري«نفط وفحم وغاز» التي تستهلك يوميا لغرض توليد الطاقة وحرقها، وبدورها أطلقت هذه الأنواع من الموارد الأحفورية، غازات تحبس الحرارة كغاز الميثان وثاني أكسيد الكربون، وهي من أهم أسباب ظاهرة تغير المناخ، التي باتت تهدد سلامة وصحة الإنسان، لاسيما في المجتمعات الأشد فقرا، التي تعد الأكثر عرضة لها بالنظر إلى قلة ما لديها من موارد، يمكن استثمارها في منع هذه التداعيات والتخفيف منها، وهنا تكمن أبعاد المُشكلة.

فخلال أقل من قرنين من الزمن، أعاد التغير المناخي رسم ملامح كوكب الأرض، وجعله أمام خطر كبير بات يضرب بلا هوادة، وأصبح بإمكان عوامل الطقس القاتلة، غير المسبوقة على غرار درجات الحرارة المرتفعة، والحرائق والسيول والفيضانات والزلازل، أن تجعل 2021 العام الذي تصبح فيه التوقعات الخاصة بالمناخ حقيقة، لا يمكن تجاهلها، بل إنها ربما ستزداد في السنوات القادمة، لدرجة أنها قد تصبح الأسوأ، حيث يتوقع أن تتضاعف عواقبها الاقتصادية في المئوية القادمة، وقد تصل خسائرها البشرية إلى عشرات الملايين.

لكن ورغم التشاؤم والتشكيك في عدم القدرة، على التغلب على كل هذه الآثار السلبية، فإنه من المهم أن نفهم أن الأوان لم يفت بعد لاتخاذ إجراءات ترمي إلى التصدي لأزمة المناخ، من خلال حشد الطاقات والخبرات، لمواجهة أي آثار بيئية محتملة، سواء على مستوى الفرد من خلال تخفيف استهلاكه للطاقة الأحفورية، والاعتماد على الطاقة النظيفة، أو على مستوى الحكومات، من خلال وضع الخطط واتخاذ إجراءات سريعة وصارمة، للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وخفض معدل ارتفاع درجة الحرارة، وضمان تمتع الناس في جميع أنحاء العالم بالصحة والازدهار، والحصول على الغذاء والهواء النظيف والماء.

وفي رأيي يجب أن تشمل خطط وحلول مواجهة ظاهرة التغير المناخي، تشجيع الاقتصاد الأخضر، وأيضا زيادة الغطاء الأخضر، على غرار مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، لزراعة مليارات الأشجار التي أعلنتها المملكة قبل شهور، انطلاقا من رغبتها الجادّة في ضمان استدامة المستقبل، واستكمالاً لجهودها في حماية كوكب الأرض، ومواجهة التحديات البيئية، وخفض انبعاثات الكربون العالمية، وتحسين جودة الحياة والصحة، ليس في الداخل فقط، بل في المنطقة والعالم.