المدينة أشبه بأن تكون نبتة عضوية، تنمو مع أصحابها يوما بيوم، وشهرا بشهر، وسنة بعد أخرى، وهناك من المدن ما تنمو على مدار الساعة. بهذا المعنى أصبحت المدينة أشبه بكائن لا يكف عن النمو. ويبقى نوع النمو هذا، شكله، وتوجهه، مرهونا بآليات إعمار المدينة وبنائها، وتاريخها، وجغرافيتها. وهنا يمكن الحديث عن عدد من أنواع المدن حسب تطورها، وليس أقلها هنا المدينة في عصر ما بعد الصناعة التي اختلفت جذريا عما قبلها.
عضوية المدينة تعني بالدرجة الأولى استجابتها للمعطيات التاريخية والجغرافية والتكوين الاجتماعي والاقتصادي لسكانها. غير أن معطيات المكان (وقوع المدينة على ضفاف نهر أو طرق قوافل أو ميناء ساحلي، أو عاصمة، إلخ) بالقدر نفسه من الأهمية. ونظرا لهيمنة التضاريس المحلية (الطبوغرافيا) على تكوين أبها، فإن هذه الطبوغرافية هي المحدد الأهم لهذا النوع من المدن. وعليه يمكن استخلاص عدد من أساسيات التخطيط الحضري الممنهج (عناصر) التي بإمكانها أن تكون خارطة طريق للمدينة على مدى السنوات والعقود القادمة.
هناك أولا خط أفق المدينة. يمكن تصور أبها على أنها حزام جبلي يحيط بالمدينة من جهات الشمال والغرب والشرق، في حين يختفي حزامها البصري ذاك من جهة الشرق. خط الأفق هذا، عبارة عن سلسلة جبلية وهي بدءا من شمال المدينة قلعة شمسان فأم الركب (متنزه سما أبها) وقلعة الدقل. ومن الغرب هناك جبال الشرقي وجبلا كوثران الشمالي والجنوبي، وجبل نهران، ومن الجنوب جبلا أبو خيال وذرة. هكذا يرسم هذا الحزام التضاريسي خط أفق المدينة من جهاتها الثلاث للقادم إليها من جهة الشرق. هذا يعني وجوب الحد من أي تمدد عمودي للبناء، من شأنه أن يشوه خط الأفق الفريد هذا.
ثانيا: يحيط هذا الإطار التضاريسي الذي شكلته الجبال من جهات المدينة الثلاث بمنخفض يصعد وينحدر تبعا لتصاريس المدينة، ويمكن القول بشكل عام إنه ينحدر تدريجيا من هذه الجهات الثلاث باتجاه الوسط. في هذا المنخفض بنيت أحياء المدينة، التي كانت في الأصل مجموعة قرى تناثرت وتجاورت على ضفاف واديها. وفي حين أن جزءا من هذا المنخفض تم البناء عليه، فإن ما سهل منه تم استصلاحه كحقول زراعية، أما ما استعصى على الاستصلاح الزراعي فقد بقي فضاء تضارسيا خاليا. وسط هذا المنخفض صعودا ونزولا ينمو نسيج المدينة المتعرج ضمن ما تسمح به تضاريس المدينة.
ثالثا: في قلب هذا المنخفض ينحدر وادي أبها ليقسمها إلى نصفين شمالي وجنوبي، وشكل وادي المدينة الرابط الحيوي الذي نشأت عليه أحياؤها. وعلى مدى الزمن كانت المزارع تنتشر على ضفتي الوادي، وخصوصا في قرية المفتاحة التي تستضيف اليوم شارع الفن، وقرية المفتاحة التشكيلية، ومسرح طلال مداح. ورغم استئثار وادي أبها ببعض الاهتمام من الجهات المعنية (تغطيته بمحاذاة شارع الفن) إلا أن هذه المعالجات بحاجة لأن تندرج ضمن رؤية شمولية أعم للوادي بأكمله، من فندق قصر أبها غربا إلى أسفل مشيع شرقا.
رابعا: هذا الإطار ومنخفضه وواديه ينتهي من الناحية الجنوبية بالشفا أو ما يعرف حاليا بممشى الضباب. هذه هي الحواف التي تشكل العنصر الرابع في تكوين أبها الحضري.
خامسا: وضمن هذا الفضاء البصري المتحرك الصاعد حينا والنازل حينا آخر، تبرز عدد من المعالم المعمارية التي تجعل من أبها ما هي عليه، بدءا من ساحة البحار التي تعتبر مركز المدينة حيث يطل عليها مبنى الإمارة، وجامع الملك عبدالعزيز، والمتحف الوطني، وهي مبان أيقونية في نسيج المدينة العمراني، إضافة إلى حي النصب الأثري، وبسطة مقابل، وبعض الأماكن ذات الأهمية السياحية داخل نسيج المدينة هنا وهناك. هذه العناصر الخمسة التي تشكل عصب هذا النموذج قد تتطابق، فتصبح الحافة معلما ويصبح المعلم ذاته حافة، كما هي حال ممشى الضباب أو جبل ذرة أو شارع الفن.
هذه قراءة عمرانية شمولية لأبها، تذكر بمبادئ «كيفن لينش» في طرحه المعروف صورة المدينة (The Image of the City). مجرد إلقاء نظرة سريعة على مخطط مدينة أبها، يؤكد لقارئ هذا المخطط (مهندسا كان أو غير ذلك) أنه أمام مخطط غير تقليدي. إنه أمام مخطط ذي إطار سداسي الشكل تقريبا (طريق الملك عبدالعزيز، الحزام الدائري)، وقد حوى داخله نظام تخطيط إنشائيا تفتقد إليه معظم المخططات الحديثة التي أصبحت «قطاعات عقارية» ليس إلا.