أما موجات الجاذبية فهي ليست أشعة كهرمغناطيسية. وهي حاضرة حيث هناك كتلة فلكية متحولة أو متسارعة، قد تترافق مع إطلاق موجات كهرمغناطيسية أو عدم إطلاقها. وتحمل موجات الجاذبية في أثناء انتشارها في الكون، عبر مسافة مليارات السنين الضوئية في الفضاء المجري، معلومات عن الأحداث التي صدرتها، قد لا تستطيع الموجات الضوئية الأخرى حملها.
فهم أفضل للثقوب السود
يرى فيزيائيو الفلك أن هذا الالتقاط لموجات الجاذبية يفتح نافذة جديدة على الكون، ويتيح فهما أفضل لتشكل الثقوب السود وانتشارها ودورها في المجرات، ويكشف عن الأحداث البعيدة جدا التي لا يمكن للتلسكوبات البصرية رصدها، بينما يتمكن «ليغو» من تسجيل، بل من سماع همسها أينما حدثت في الكون.
كان ذلك قبل حوالي عشرة أعوام من اليوم، وتحديدا في 11 فبراير 2016، حين أعلن فريق المرصد LIGO عن التقاط لموجات الجاذبية، للمرة الأولى في تاريخ البشر، الأمر الذي يبشر بافتتاح عصر جديد وآفاق جديدة في علوم الفلك. وبحسب ذلك الإعلان، فإن تلك الموجات ناجمة عن اندماج لثقبين أسودين، حدث على بعد حوالي مليار وثلاثمئة مليون سنة ضوئية من الأرض.
و«ليغو» Laser Interferometer Gravitational-wave Observatory (LIGO) أي «مرصد تداخل موجات الجاذبية العامل بالليزر»، هو مرصد فلكي مختلف تماما! فلا هو بتلسكوب يعمل بالضوء المرئي أو الموجات الكهرمغناطيسية الأخرى، ولا برادار لالتقاط الموجات الراديوية الطويلة!.. إنه مرصد مختص بالتقاط «موجات الجاذبية» بغية تحري الكوارث النجمية العظمى في الكون، إن في مجرتنا درب التبانة أو ما بعد بعد تلك المجرة.. وهو جهاز لا يعتمد على المرايا المقعرة ولا العدسات، لكنه يستخدم أنابيب طويلة مفرغة من الهواء حيث تتفاعل أحزمة ليزر وتتداخل لتعلن عن أي اضطراب في الزمكان يخترقها ويغير بأطوالها قيد ذرة واحدة، أثناء مرور موجات الجاذبية خلال جزء ضئيل من الثانية!
لكن التقاط هذه الموجات كان قد حدث قبل شهور عديدة من الإعلان عنه، حين تلقى الإيطالي ماركو دراغو، الباحث في فريق مشروع «ليغو»، على بريده الإلكتروني، رسالة آلية تعني مرور إشارة اضطراب جاذبي في أنابيب المرصد، في 14 سبتمبر 2015 عند العاشرة صباحا بالتوقيت العالمي.
لكن.. ما هي هذه الموجات؟
لتبسيط الأمر، سوف أستعين بموجات الصوت والموجات الكهرمغناطيسية كأمثلة على موجات الجاذبية! فحين تصفق في هدأة الهواء وصمته، تنطلق موجة ضغط لحظية عبر الهواء تشوه الضغط الجوي السائد، وتنتشر في كل اتجاه، وتضعف طاقتها كلما ابتعدت عن المصدر، إلى أن تتلاشى ويستحيل التقاطها في البعيد البعيد...
وحين تطلق إشارة كهربائية عبر هوائي بث الراديو، فإن موجة تغيير في الحقل الكهرومغناطيسي المحيط تنطلق من الهوائي لتعبر عن شكل النبضة الكهربائية الطارئة... وتضعف طاقتها سريعا مع الابتعاد عن الهوائي - المصدر إلى أن تتلاشى تماما في البعيد البعيد.. وفي الحالتين، أي الصوت وإشارة الراديو، على «المستمع» تعديل أذنيه أو أجهزته اللاقطة على ترددات المصدر وتقوية القدرة على استشعار تلك الإشارات بحسب قوتها..
كذلك، وحيث من المعروف أن هناك حقلا جاذبيا يحيط بكل كتلة مادية، وأن أي تسارع أو تغيير كبير يحدث للكتلة يؤثر فورا على حقلها الجاذبي، وأن هذا التغيير المفاجئ في الحقل الجاذبي ينتشر في الكون كموجة جاذبية، تكون هناك حاجة إلى تغيير دراماتيكي لكتلة تفوق عشرات الشموس حتى تستطيع أجهزتنا الأرضية استشعار التغيير في الحقل الجاذبي الذي يصلنا، خاصة أن الكوارث النجمية الكبرى، لحسن حظنا، لم تحدث في جوارنا حتى اليوم!
إذن، إن تحرك كتلة وازنة في نقطة معينة في الفضاء (أو تفتتها)، يؤدي إلى إحداث تغيير لحظي في قيمة حقل الجاذبية انطلاقا من تلك النقطة، ويطلق بالتالي تماوجا في الحقل الجاذبي في الكون يعبر عما حدث لتلك الكتلة.
وكان ألبرت آينشتاين في نظريته «النسبية العامة» قد توقع منذ العام 1916، وجود مثل هذه الموجات، حين قال إن تسارع الأجسام الفلكية الكبرى لا بد أن يترافق مع تموجات في حقل الجاذبية تنطلق بسرعة الضوء، حاملة معها معلومات قيمة حول الحدث الفلكي الذي خرجت منه. وبحسب هذه النظرية، فإن الزمن والفضاء يشكلان بترابطهما نوعا من النسيج المشدود (الزمكان) الذي يتقعر بوجود الأجرام الثقيلة. وأن تشعر بالجاذبية كأن تشوه واحدا من خيوط هذا النسيج.
ونظرا إلى أن قيمة الجاذبية تزداد طردا مع الكتلة وتتناقص مع مربع المسافة، فإن التماس أي تشوه في حقل الجاذبية لنجم ما على بعد ملايين السنين الضوئية، يتطلب أن يكون النجم ذا كتلة هائلة، للتعويض عن تأثير بعد المسافة.
والكون يعج بالأجرام الثقيلة التي تتحرك بتسارع كبير. ومصادر موجات الجاذبية قد تكون ثقوبا سوداء تجذب إليها مواد بسرعة تقارب سرعة الضوء، أو نجوما نيوترونية تدور حول نفسها بسرعة لا تصدق، أو نجوما كبيرة أخرى محتضرة تتحول في ختام حياتها إلى مستعرات عظمى (سوبرنوفا)، عدا عن أحداث كونية أخرى مثل اصطدام النجوم أو المجرات أو غيرها...
استشعار الكوارث النجمية العظمى
إيمانا منهم بصوابية منطق أينشتاين حول فكرة موجات الجاذبية، بدأ فيزيائيون العمل على مشروع تطوير مرصد بمراحل متتالية حتى العام 2010، كلفت أكثر من مائتي مليون دولار، من دون النجاح في تسجيل أية نتيجة حتى ذلك الحين، بل حتى العام 2015، تاريخ أول تسجيل لمرور موجات الجاذبية!
أهم المؤسسين لمشروع «ليغو» هم ثلاثة علماء: رينر وايس Rainer Weiss (أستاذ الفيزياء في معهد مساشوستس للتكنولوجيا)، ورونالد درفر Ronald Drever (أستاذ في جامعة غلاسغو)، وكب ثورن Kip Thorne (أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة كالتك).
في تفاصيل المرصد، أنه يتألف من جهازين لاقطين يبعد الواحد منهما عن الآخر مسافة 2300 كلم، وكل واحد منهما له ذراعان كزاوية قائمة يبلغ طول كل منهما 4 كلم. هذان الضلعان هما عبارة عن أنبوبين من ألومينيوم قطر الواحد منهما حوالي المتر، وهما مفرغان من الهواء، بحيث تعبرهما أشعة الليزر ذهابا وإيابا بانعكاسها على مرايا عند الأطراف قبل أن تلتقي بالأشعة القادمة في الأنبوب الآخر، بغية دراسة تداخلهما، تشبها بجهاز التداخل القديم الذي اعتمده «مايكلسون» و«مورلي» في العام 1887. وقد وضع واحد منهما في «ليفنغستون» في لويزيانا، والآخر في «هانفورد» في واشنطن. والجدير بالذكر أن تصميم مراصد مستقلة ومتباعدة أمر ضروري من أجل تحديد اتجاه مصدر الموجات، ومن أجل التحقق من أن هذه الإشارات تأتي من الفضاء وليس من أسباب أرضية أخرى، كالزلازل أو ما شابه.
وحين تمر موجة جاذبية عبر الجهاز، فإنها سوف تؤثر في طول أحد أنبوبي الجهاز، بحسب اتجاهه. هذا التغيير المتناهي في الصغر يخلق فرقا بين مساري شعاعي الليزر في الأنبوبين، ما ينعكس على تداخلهما الموجي.. وإشارة التداخل هذه يمكن تحويلها إلى رسم طيفي أو ومضة ضوئية أو حتى صوت مسموع. هكذا بات لدى العلماء القدرة على الإصغاء لموجات الجاذبية وسماع صداها عبر مطياف التداخل.
ولحماية «ليغو»، استخدمت كل فنون مثبتات الحركة وإلغاء الإشارات المشوشة. كما جهز المرصد بآلاف الحساسات، بغية قياس أي تغيير في طول ذراعي الجهاز بسبب مرور موجات الجاذبية، ولو كان هذا التغيير لا يزيد على قطر ذرة واحدة!
على الرغم من عنف المصادر والتسارع الهائل للكتل التي تطلق موجات الجاذبية في الكون، فإن ما يصل إلينا على الأرض هو أضعف بمليارات مليارات المرات من طاقة المصدر. وقيمة الحركة الاهتزازية التي تسببها على الأرض تقل بملايين المرات عن قطر ذرة واحدة! لذلك، فإن الكتل الهائلة للثقوب السوداء هي المرشحة أكثر من أي جرم فلكي آخر لالتقاط موجاتها الجاذبية، بخاصة حين يرتبط ثقبان أسودان بجاذبية بعضهما البعض فيدوران حول بعضهما بسرعة هائلة قبل اندماجهما بثقب أسود منفرد.
استنادا إلى الإشارات الملتقطة، قدر العلماء العاملون على أجهزة ليغو أنها صادرة عن اندماج ثقبين أسودين تبلغ كتلتاهما 29 و36 مرة كتلة الشمس، وأن ذلك حدث منذ 1.3 مليار سنة مضت، أي أنها حدثت على بعد 1.3 مليار سنة ضوئية من الأرض. كما قدروا أن كمية الكتلة التي تحولت إلى طاقة موجية جاذبية بلغت 3 مرات كتلة الشمس، وقد دام الحدث جزءا ضئيلا من الثانية فقط. وبالنظر إلى وقت وصول الموجات، فقد التقطها مرصد ليفنغستون قبل مرصد هانفورد بسبعة أجزاء من ألف من الثانية. وهكذا استنتج العلماء أن الحدث وقع في النصف الجنوبي من الكرة السماوية. وخلال وقت وصول موجات الجاذبية الناتجة عن اندماج الثقبين الأسودين، أدى ذلك الوصول إلى تغيير طول أحد الأنبوبين بنسبة جزء واحد فقط من مليار تريليون، بحسب تقدير العلماء، بناء على التشوه الذي أظهره مقياس التداخل بين حزمتي الليزر في كل من جناحي المرصد..
فاتحة عصر جديد
يعمل على الأبحاث التي وفرها مرصد «ليغو» أكثر من 1000 باحث من جامعات عدة في الولايات المتحدة الأمريكية ومن 14 بلدا من العالم، وقام أكثر من 90 جامعة ومركزا بحثيا حول العالم بتطوير تكنولوجيا أجهزة الالتقاط وتحليل المعطيات. وقد نشرت تفاصيل الأبحاث في مقالة في مجلة Physical Review Letters في 11 فبراير 2016، اليوم الذي عقدت فيه العديد من المؤتمرات الصحافية حول العالم، حول هذا الموضوع.
«هذا الاستشعار هو فاتحة عصر جديد؛ فعلم الفلك المعتمد على موجات الجاذبية أصبح حقيقة»، هكذا قالت غابريللا غونزاليس، الناطقة باسم فريق ليغو وأستاذة الفيزياء والفلك في جامعة لويزيانا، بحسب ما جاء في دورية «نيتشر» Nature.
يبقى أن أذكر أن «ليغو» هو أول جهاز جدي ابتكره علماء الفلك والفضاء لالتقاط موجات الجاذبية القادمة من مصادر الأحداث الكونية الفلكية الكبرى، كالمستعرات العظمى، واصطدام المجرات واندماج النجوم النيوترونية أو الثقوب السوداء، وتحليلها. لكننا في أول الطريق في هذا الميدان، والتطور المتصاعد للتكنولوجيا في شتى ميادينها لا بد أن يقدم مفاهيم جديدة وطرقا جديدة للتعامل مع موضوع موجات الجاذبية، وقد نستطيع في زمن ليس بالبعيد رسم مجرتنا ومسح الكون المجري بأكمله بأجهزة أكثر تطورا من «ليغو» وأشد قدرة على استشعار ما يدور حولنا في هذا الكون الرحيب.
*ممثل لبنان في الاتحاد الفلكي الدولي
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.