والمجتمعات لا ترث الماضي كما وقع، بل كما انتقته الذاكرة الجمعية واحتفظت به، وهنا يكون سؤال الموروث: كيف فهمنا موروثنا، وأي موقع منحناه في حاضرنا؟ فقد يكون الموروث قوة تمنح المجتمع الثقة والتماسك، وقد يتحول إلى قوالب تضيق بالحياة وتمنعها من الحركة، إذا فقد القدرة على التمييز والمراجعة.
ومن هذا المدخل يمكن قراءة التحول الذي أحدثه سمو الأمير في علاقتنا بالموروث، فهو لم يتعامل معه من باب الحنين إلى الماضي، ولا من باب القطيعة معه؛ لأن الحنين يحول الماضي إلى فردوس متخيل، والقطيعة تحوله إلى عبء، أما مشروع الأمير، فقد وضع الموروث في موضع ثالث: الفهم، ثم الصيانة، ثم إدماجه في صناعة الحاضر والمستقبل.
والموروث، في فكر سموه، ليس مجموعة أشياء قديمة يراد إنقاذها من التلف فحسب، بل صار رأس مال رمزيًا وحضاريًا، تتأسس عليه الهوية الوطنية، وأصبح موردًا للمعرفة والاقتصاد والجمال، ومن هنا انتقل الحفظ من كونه غاية نهائية إلى كونه أول خطوة في مسار أطول: التوثيق، والبحث، والإحياء، ثم تحويل كل ذلك إلى ثقة وطنية.
وتكشف العناية بالتراث بنوعيه المادي وغير المادي عن فهم واسع لمعنى الموروث؛ فهو لا يقتصر على القصور والبيوت القديمة والقطع الأثرية، بل يشمل الحرف والفنون والأزياء والمأكولات والحكايات والذاكرة الشفوية، وهذا الاتساع يعيد الاعتبار إلى خبرة المجتمع السعودي المتراكمة، بعد أن كان كثير منها ينظر إليه بوصفه تفاصيل محلية صغيرة أو مظاهر احتفالية موسمية، لا بوصفه مكونًا أصيلًا من مكونات الشخصية الوطنية.
ولعل مشروعات العلا والدرعية وجدة التاريخية وغيرها تقدم نماذج واضحة لهذا التحول، حيث أصبحت الآثار موضوعًا للتنقيب والبحث العلمي، ومصدرًا لإعادة اكتشاف العمق الحضاري للجزيرة العربية، ومجالًا لتدريب الكفاءات السعودية ومخاطبة العالم -كما أسلفنا في المقال السابق، كما أضحى التاريخ لا يروى وحده، بل تستعاد معه الصلة بين المكان والذاكرة، وامتد إلى إحياء المجال الاجتماعي والعمراني بجانب ترميم المباني التراثية، وهنا يظهر الفرق بين صيانة الآثار وإحياء الموروث؛ بحفظ الوظيفة والمعنى والحامل الاجتماعي الذي ينقل الموروث من جيل إلى جيل، ففكر سموه في الموروث ركز على اكتشاف التعدد الواسع داخل الموروث السعودي، فبلدنا ليست لونًا ثقافيًا واحدًا، وإنما وطن تتعدد الأشكال الثقافية داخله من العمارة إلى الأزياء والفنون واللهجات والحِرف والمأكولات، ولم يؤد إبراز هذا التنوع إلى إضعاف الوحدة الوطنية، بل زادها عمقًا؛ وجمعها داخل انتماء وطني أعلى، وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أهم نتائج هذا التحول حينما انتقل الموروث المحلي من هامش المشهد إلى مركزه، فأصبح جزءًا من السردية الثقافية الوطنية، وهنا تتجلى عبقرية سموه، فهو لا يجمع مفردات متفرقة، بل يعيد إنتاجها بوصفها رموزًا مشتركة، ليتحول التنوع إلى ذاكرة وطنية يتعرف فيها السعودي على ذاته، وعلى ثراء وطنه.
ولا ينفصل الموروث، في رؤية سمو الأمير، عن التنمية؛ فالحي التاريخي، والحرفة المحلية، والفن التقليدي، كلها قابلة لتصبح موارد للسياحة والاستثمار، وليس ذلك تسليعًا للموروث، وإنما توفيرًا لشروط بقائه؛ لأن الموروث حينما يصبح مصدرًا للمعرفة والدخل والجمال، فالمجتمع نفسه يتحول إلى حارس له.
وأنبه إلى أن إعادة فهم الموروث لا تعني إعادة إنتاج كل ما وصل من الماضي؛ فالموروث ليس كتلة واحدة مغلقة، وإنما تراكم يشتمل على قيم راسخة، وعادات ارتبطت بظروف زمنية انتهت، وصور اجتماعية يمكن أن تبقى قيمتها مع تجديد شكلها، وهنا تظهر جرأة رؤية سمو الأمير في التمييز بين القيمة وقالبها، وبين الأصل وصورته التاريخية، وبين ما يصنع التماسك وما يعوق الحركة، فليس الوفاء للماضي أن نكرر حياة السابقين، بل أن نفهم حكمتهم ونستأنف قدرتهم على الابتكار.
بهذا المعنى لا تبدو الحداثة السعودية نقيضًا للموروث، وإنما امتدادًا واعيًا له، فالحداثة التي لا تعرف نسبها الثقافي قد تكون سريعة، لكنها تظل هشة ومقلدة، أما الحداثة التي تنمو من داخل المكان والذاكرة، فإنها تكون أقدر على الاستمرار وأصدق في التعبير عن أهلها، ومن هنا تحولت العمارة المحلية والفنون التقليدية من بقايا زمن مضى إلى مصادر إلهام للتصميم والضيافة والهوية البصرية السعودية الجديدة.
وهنا تحديدًا تأتي اللحظة الزمانية المهمة في تأسيس وزارة الثقافة (يونيو 2018)، والذي لم يكن مجرد إضافة إدارية إلى أجهزة الدولة، بل كان إعلانًا عن انتقال الثقافة من النشاط المتفرق إلى الفعل المؤسسي، الذي يصب في صميم التنمية، فالوزارة، وهي المعنية بالمشهد الثقافي السعودي محليًا ودوليًا، مهمتها حماية التراث التاريخي للمملكة، وأن تصل بين صيانته وبناء مستقبل ثقافي تزدهر فيه الفنون وتتسع فيه قدرة السعودي على التعبير عن ذاته، وهذا هو التجسيد المؤسسي لرؤية سمو الأمير في الموروث.
وهنا لا يسعني المجال أن أغفل واحدًا من أدق الشواهد المهمة على توظيف الموروث، والذي تمثل بتغيير سجادة الاستقبال من الأحمر إلى لون الخزامى البرية في مبادرة مشتركة بين وزارة الثقافة والمراسم الملكية، فاللون الذي استدعي من أزهار الخزامى التي تكسو صحارى المملكة بعد المطر، وما تحمله من معاني التجدد والنماء وجودة الحياة، وتزيين أطراف السجاد بنقوش «السدو»، حولت السجادة من ممر بروتوكولي محايد، إلى نص بصري مكثف، يحكي الأرض وأهلها وكرمهم، ويقدم موروثهم للعالم بقالب إبداعي معاصر، وتكمن دلالة هذا التغيير في الجرأة على كسر نمط بروتوكولي عالمي تعود جذوره إلى قرون مضت، حين يكون تجاوزه أقدر على التعبير عن السعودية الجديدة، فالدول الواثقة لا تستعير رموز الهيبة كما استقرت فحسب، وإنما تصوغ رموزها من بيئتها وذاكرتها، وهذه نتيجة طبيعية لفكر سمو الأمير محمد بن سلمان؛ فالتفرد عند سموه ليس خروجًا شكليًا على المألوف، بل قدرة على تحرير الشكل الرسمي من نمطيته، وإدخال الهوية الوطنية في أدق تفاصيل حضور الدولة، حتى يغدو البروتوكول نفسه مجالًا للابتكار والسيادة الثقافية.