وكما هو الحال مع قصص الرعب وتأثيرها في الطفل، بعض العقائد الدينية ذات الأبعاد الأسطورية كالغنوصية يمكن أن تخلق نماذج عميقة من الخوف والوجود المغترب الذي يصل مرحلة (القلق الوجودي) أو الرعب الكوني. وكلاهما ظاهرتان معاصرتان يمكن ملاحظتها لدى كتاب ومفكرين يحملون ثقافات يمكن ربطها تاريخيا بالغنوصية. وبخاصة عند روائيين ومفكرين أوروبيين لعل أبرزهم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر صاحب رواية «الغثيان» الشهيرة.
أوروبا ليست قارة مسيحية بالكامل، فهناك موروثات وعقائد دينية قد تتصادم مع المسيحية أو تتقارب معها. يقول عالم اللاهوت الاسكتلندي جون ماكوري في كتابه عن الوجودية: «غير أن الغنوصية ترتبط بالوجودية الحديثة برباط أوثق من ارتباطها بمسيحية العهد الجديد، فإذا كان بين الغنوصية والمسيحية تشابهات فإن بينهما أيضا اختلافات، لا سيما أن الغنوصية تدعو إلى ثنائية مطلقة لا يمكن التوفيق بينها وبين فكرة الخلق في الكتاب المقدس. فالعالم عند الرجل الغنوصي غريب وشيطاني تماما».
العالم بحسب الرؤية الغنوصية يحمل نظرة تشاؤمية، حيث ينظر للعالم المادي الذي نعيش فيه باعتباره سجنا أو مخلوقا بواسطة كائن شيطاني شرير لتغييب الروح وأسرها. حيث تعمل القوانين المادية على تكبيل الروح (القبس الإلهي) وإغراقها في المادة. فالبشر يعيشون في عالم قائم على الزيف والعمى. والواقع المحسوس ليس إلا منظومة من الخداع والتزييف، صممت لقهر الروح ومنعها من إدراك أصلها الإلهي الحقيقي.
العالم الغنوصي سجن محكم وآسر للروح، عالم ظلامي شرير ناقص وبيئة اغتراب ومنفى روحاني خاضع للحتمية والقدر الفلكي. عالم مرعب ومأساوي. بالتالي كل مظاهر الطبيعة الجميلة ليست إلا أدوات خداع لإبقاء الروح متصلة بالجسد. فالطبيعة لها حقيقة مخيفة لا تتجاوز كونها آلة افتراس وتفكك وفناء. الزمان والمكان فيها عبارة عن زنزانة تشعر الروح بالثقل والحدود القسرية وتخلق مشاعر متضاربة من العبث والعدم والقلق والإحساس بالوحشة بل والرعب من العالم.
تحمل الفلسفة الوجودية - سارتر بشكل خاص- رؤية مشابهة للغنوصية، ويمكن اعتبار فلسفة سارتر امتدادا لها، فهي تعبر عن العالم بوصفه وجودا ماديا محصنا بالصمت، خاليا من أي معنى مسبق أو تدبير إلهي. الغنوصية وفلسفة سارتر كلاهما ينظران للعالم المادي نظرة تشاؤمية بوصفه خارج الإرادة الإلهية وبعيدا عن أي معنى.
سارتر يعبر عن العيش في العالم المادي بأنه مصيدة تجلب الغثيان، حيث يجرد الوجود الإنساني من أي ملاذ أو عزاء مسبق. العالم السارتري مرعب يقتل السعادة والطمأنينة والشعور بالمودة والأنس بين البشر. وصف سارتر هذه الأحاسيس في (الغثيان) كان غاية في الدقة. الغثيان عنده ليس مجرد عارض صحي أو اضطراب في المعدة، بل تجربة يمر بها كل شخص تشبع بالموروث الغنوصي الذي يشيطن العالم ويلغي أي حقيقة فيه، فنحن حسب رؤيته نعيش في عالم مخيف وفراغ وجودي مرعب.
الكون الصامت والمرعب في الفلسفة الوجودية ناتج عن تطور عقدي وثقافي في الموروث الغنوصي الذي يعبر عن وجود البشر، بأنه نتيجة سقوط أو خلل التناغم الإلهي في الكون. ففي كثير من الروايات الغنوصية يخلق العالم المادي بواسطة قوة خبيثة وشريرة اسمها الديميورج (Demiurge)، كائن أدنى مرتبة ومنفصل تماما عن الإلهي الحقيقي -بحسب المعتقد الغنوصي- الذي يمثل الخير المطلق والنور.
يمكن اعتبار الفلسفة الوجودية الشكل الحديث للغنوصية القديمة، فكلاهما يولد الإحساس باغتراب الإنسان، وأنه عالق في عالم مظلم وسوداوي وموحش ومحجوب عن الحقيقة الروحية، لذلك تظهر لديه فكرة العبثية وصمت الوجود. وتجربة الغثيان عند سارتر تصف الكون وكأنه سجن روحي ومكان غريب صامت لا يقدم عزاء أو تفسيرا. تشكلت الفلسفة الوجودية الحديثة بتأثير مباشر أو غير مباشر من الموروث الغنوصي، محولة إياه إلى بنية شعورية وإدراكية، تسببت في إنتاج حالة من الرعب الكوني والقلق الوجودي، تتشابه في آليات تأثيرها النفسي مع ما يحدث لذهن الطفل المشبع بقصص الفنتازيا والرعب.