يريد الراتب كاملًا، والتأمين ممتازًا، والترقية سنوية، والبونص مجزيًا، والإجازة مرنة، والمدير متفهمًا، وبيئة العمل محفزة... أما أن تطلب منه إنجاز مهمة، فهنا تبدأ المفاوضات وكأنك أضفت بندًا لم يكن موجودًا في العقد.
تقول له: أرسل التقرير اليوم.
فيجيب: «اليوم؟»
نعم اليوم. لا أعرف لماذا نطقها وكأنني قلت: قبل غروب الشمس ابنِ لنا جسرًا يربط الرياض بجدة.
ولدينا الموظف الموسوعي في عبارة «مو شغلي». لا يعرف بالضبط ما هو شغله، لكنه يعرف بالتفصيل كل ما ليس شغله. ولو تعطلت الطابعة أمامه، فقد يعيش بقية حياته دون طباعة حتى يتم تحديد المسؤول عنها رسميًا وتشكيل لجنة.
وهناك من يعتبر الحضور إنجازًا مستقلًا؛ يصل للمكتب فيشعر أن الجزء الأصعب من يومه قد انتهى. قهوة، فطور، جولة اجتماعية، تصفح البريد، ثم الساعة 11:30 يبدأ الاستعداد النفسي للغداء. وبعد الغداء تبدأ مرحلة «خلاص اليوم راح».
أما الاجتماعات فهي الملجأ الآمن للإنتاجية الوهمية؛ نجتمع لنعرف لماذا لم ننجز، فنقرر عقد اجتماع آخر لمتابعة عدم الإنجاز، ثم نكتب في التقرير الأسبوعي بكل ثقة: تمت مناقشة الموضوع.
والأجمل أن البعض يعتبر أي طلب إضافي استغلالًا، وأي ملاحظة تنمرًا، وأي متابعة ضغطًا نفسيًا، وأي موعد تسليم بيئة عمل سامة. لكن تأخر الراتب ساعتين؟ هنا يستيقظ داخله خبير أنظمة العمل وحقوق الإنسان.
المهنية ليست بدلة، ولا لابتوبًا، ولا «Kindly» و«Best Regards». المهنية ببساطة أن تعمل دون أن تحتاج المؤسسة إلى مطاردتك لكي تؤدي العمل الذي وظفتك أصلًا لأجله.
أخيرًا.. المشكلة أن بعضنا يبحث عن وظيفة تحقق له التوازن بين العمل والحياة، ثم اكتشفنا أنه حقق التوازن بطريقة مبتكرة جدًا: ألغى العمل.