وينبغي بدايةً التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تتداخل: فالملكية الجزئية وصف اقتصادي لتوزيع قيمة العقار على عدد من المشاركين، وقد تتحقق بملكية مباشرة أو غير مباشرة؛ والشيوع وصف قانوني لاشتراك أكثر من مالك في عين واحدة بحصص معلومة غير محددة؛ والترميز أداة تقنية تمثّل الحق أو الحصة في صورة رمز رقمي يسهّل توثيقها ونقلها ومتابعتها. ولا يغيّر الترميز بحد ذاته طبيعة الحق الذي يمثّله.
في المملكة، أعلنت الهيئة العامة للعقار في نوفمبر 2025 إتمام أول عملية ترميز لصك ملكية عقارية، وتداوله بين الشركة الوطنية للإسكان وعدد من المستثمرين تحت إشرافها التنظيمي. لكن هل كان الترميز بغرض إثبات الملكية أم الاستثمار؟ إذ إن التملك والاستثمار وصفان منفصلان، وإن أمكن اجتماعهما؛ فالتملك يحدد العلاقة القانونية بالعقار، والاستثمار يعبّر عن الغرض من توظيف المال. وقد يملك الشخص حصة في عقار بقصد الاستثمار، كما قد يشارك في عوائده دون أن يملك حصة فيه. والفاصل بينهما هو ما تثبته وثائق الملكية والعقود والسجلات المعتمدة. ولذلك ينبغي أن يتبيّن المتعامل حقيقة ما يكتسبه: أهو حق عيني في العقار نفسه، أم استحقاق مالي ناشئ عن عقد أو منتج استثماري؟
عندما تكون الحصة ملكية مشاعة في عقار محدد، فإن صاحبها يشترك في ملكيته بنسبة معلومة، دون تخصيص شقة أو مساحة بعينها له. ويخضع استعماله للعقار واستغلاله وتصرفه في حصته لأحكام الشيوع والاتفاقات المنظِّمة.
أما امتلاك حصة في شركة تملك العقار، أو وحدة في صندوق عقاري، فينشئ علاقة من نوع آخر؛ إذ تتعلق حقوق المستثمر بالشركة أو الصندوق لا بعين العقار. فالصناديق الاستثمارية تمثل حصصًا مشاعة في مجموع أصول الصندوق، وتحكمها لوائح وشروط معلنة. كما أن المحفظة العقارية قد تجمع ملكيات مباشرة واستثمارات غير مباشرة.
ومن ثَمّ، فإن المقارنة الحقيقية بين جميع ما سبق وبين الترميز العيني هو ما يتعلق بطبيعة الملكية، وسلطة اتخاذ القرار، وتكلفة الإدارة والتخارج، لا بمجرد الانتقال من المحفظة إلى المنصة التقنية كما قد يُتصوَّر.
وتظهر إحدى القيم المحتملة للملكية الجزئية في اختيار حصة في عقار بعينه، ومعرفة خصائصه وعقوده وإيراداته ومصروفاته. وفي المقابل، تتيح الصناديق تفويض اختيار الأصول وإدارتها إلى متخصصين وفق سياسة معلنة. ولكل منهما ما يناسبه من المستثمرين؛ فزيادة حرية الاختيار تستلزم فهمًا ومتابعة أكبر، وقد تعني تركّز المخاطر في عدد محدود من الأصول، في حين يفضّل آخرون الإدارة المتخصصة والتنويع الذي يتيحه الصندوق بحسب سياسته.
أما القيمة المضافة للتقنية فتظهر حين تخفّض تكلفة توثيق الحق ونقله ومتابعته، وتحسّن الإفصاح وتوزيع المستحقات وإدارة الحصص. ويظل العائد مرتبطًا بجودة العقار وإشغاله وحسن إدارته؛ فالتجزئة تخفّض مبلغ المشاركة، دون أن تخفّض بذاتها سعر العقار أو ترفع دخله. كذلك فإن إمكان نقل الحصة تقنيًا لا يضمن وجود مشترٍ بالسعر المطلوب، وتبقى تكاليف التشغيل والرسوم مؤثرة في صافي العائد. وتضيف التقنية نفسها مخاطر من نوع جديد، كأمن الحفظ الرقمي وسلامة العقود الذكية، ينبغي أن تدخل في تقييم أي نموذج.
وقد أخذت هذه القضايا مكانها في النقاش الاقتصادي العالمي؛ فناقشت «فوربس» مشكلة الثقة التي تواجه موجة الحماس للترميز نتيجة عدم وضوح الارتباط القانوني بين الرمز والعين، ورصد الموجز التنظيمي العالمي الصادر عن «بلومبرغ» تطور أطر تنظيم الترميز وحفظ الأصول الرقمية في عدد من الأسواق. ويعكس هذا الاهتمام ضرورة التمييز بين وجود أصل يدعم المنتج الاستثماري وطبيعة الملكية التي يكتسبها المشتري، حتى تتوافق توقعاته مع حقيقة المنتج وشروطه.
وفي هذا السياق، وضمن اهتمامي البحثي بالحقوق الرقمية وهندسة الحوكمة، وتحويل المتطلبات القانونية إلى إجراءات قابلة للتطبيق والمراجعة داخل المنصات الرقمية. شاركت في دراسة حديثة نشرتها سبرنجر وتتناول الترميز العقاري؛ حيث راجعنا فيها ثلاثًا وستين دراسة، وأجرينا استطلاعًا استكشافيًا شمل مئة وثلاثة وخمسين مشاركًا في السعودية، وركّزنا على نضج العلاقة بين التصميم التقني للرمز والاعتراف القانوني بالملكية والحوكمة على مستوى العالم.
وخلص البحث إلى أنه رغم وجود تجارب متقدمة في الترميز العقاري إلا أنه توجد ضبابية للعلاقة بين الرمز التقني والحق القانوني الذي يمثله. وقد أظهرت المراجعة انتقالًا في النماذج من رقمنة السجلات إلى نماذج تتمحور حول أنظمة الاستثمار، وهو اتجاه مبرر كخطوة أولية لكن لا ينبغي أن يحصر الترميز في الفرص الاستثمارية وحدها.
وما تم في المملكة من استكمال المرحلة الأولى من مشروع ترميز الصكوك العقارية يمثل تقدمًا مهمًا في توثيق ملكية الحصص العقارية الموجهة للاستثمار وتعزيز وضوح الحق فيها، كما أنه يمكن اعتبارها أساسًا يمكن البناء عليه لتوسيع استخدام التقنية في شؤون التملك المختلفة.
حيث تستدعي المرحلة المقبلة توسيع تطبيقات الترميز لتشمل تملّك الحصة المشاعة في عين العقار، بما يرتبط بها من استعمال واستغلال وتصرف وفق الأنظمة، سواء وُظّفت الحصة في مشروع استثماري أم احتفظ بها صاحبها لغرض آخر. ويمكن أن يخدم هذا التوسع إدارة الملكيات العائلية وحصص الورثة والتملك المشترك، دون اشتراط تأجير العقار أو إدراجه في برنامج استثماري له مدة تخارج محددة.
والمقصود توسيع التطبيقات التقنية لملكية الحصة العقارية المقرَّرة نظامًا، مع إظهار حدودها والتزاماتها بوضوح. فصاحب الحصة شريك في العقار، لا ينفرد بالتصرف فيه كله، ولا تمنحه حصته تلقائيًا الانتفاع بجزء مفرز منه. كما تحكم الحصةَ المشاعة أحكامٌ نظامية، كحق الشفعة للشركاء عند بيع حصة إلى الغير، وحق الشريك في طلب القسمة، وأحكام الولاية على أموال القاصرين إن كانوا بين الورثة. وينبغي أن يستوعب تصميم الترميز هذه الأحكام، لا أن يتجاوزها بسرعة النقل وسهولته.
ويقتضي ذلك تكامل السجلات، ووضوح صلاحيات الإدارة، وضبط تعارض المصالح، وتنظيم القرارات المشتركة وتسوية المنازعات، على أن يبقى السجل العقاري الرسمي هو المرجع الملزم، والرمز تمثيلًا له؛ فيظل الحق موثقًا وقابلًا للممارسة، مستقلًا عن استمرار المنصة أو المشغّل.
وبهذا تصبح قيمة الترميز العقاري أعمق من تسهيل الدخول في فرصة استثمارية؛ إذ تمتد إلى تيسير التملك وإدارة شؤونه وحماية حقوق المالكين.