أعود فأقول: نعم... هو بيان ضد الحداثة الغربية في سلبياتها، والإيجابي نتفق معها فيه، لأن لنا حداثتنا البدوية التي نعيشها بسلبياتها وإيجابياتها، فميلاد حداثتهم بدأ من على الأرض عبر المصانع، وميلاد حداثتنا بدأ من مناهضتنا البدوية لبضعة قرون من الهيمنة العثمانية وبضعة عقود من الاستعمار الغربي في معظم أرجائنا العربية، فكان الغربيون أصلب في حداثتهم، وكنا أصلب في بداوتنا المقاومة فالكمال المطلق للرب وحده.
وليقف المقال على أقدامه نقول: الميليشيات الطائفية المسلحة بأنواعها «سنية/شيعية» في أرجاء العالم العربي هي منتج حداثي، والإسلام بريء حتى في جانبه الفقهي، فبراكسيس فقه الإسلام (ما قبل الحداثة) كان يسير وفق إيقاع متناغم مع معطيات زمنه في نظام التوسع الإمبراطوري بين دار الحرب ودار الإسلام، لأن العالم أيضاً يدور ضمن البراكسيس نفسه عبر الفقه الكهنوتي الخاص بالمسيحية، ولنأخذ مثالاً ما حصل على المسلمين وعائلاتهم عام 456هـ/1064م في مدينة بربشتر التي يحكي عنها أبو العباس بن عذاري فيقول: «كان عدد الروم المحاصِرين لها نحو أربعين ألفاً بين فارس وراجل، فقتلوا عامة أهلها وسبوا ما فيها من حُرَم المسلمين وذراريهم مما لا يحصى كثرة، وذكروا أنهم اختاروا من أبكار سبيها وأهل الحسن فيهن خمسة آلاف جارية أهدوهن إلى صاحب القسطنطينة، وهو ملكهم الأكبر، ووجدوا فيها من الأموال والأمتعة ما يُعجز عن وصفه كثرة، والأمر لله من قبل ومن بعد» راجع: أبو العباس أحمد بن محمد بن عذاري، «البيان المُغرِب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب» المجلد الثاني، ص480، دار الغرب الإسلامي – تونس - ط1، 2013.
فالسبي والرق مقبولان عالمياً كجزء من ثقافة العالم قبل عام 1117م وصولاً إلى اتفاقية الرق الدولية عام 1926 الصادرة عن عصبة الأمم، وتأكدت لاحقاً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، حيث تحول إلى قانون دولي ملزم في القرن العشرين.
أما الجزية فهي أيضاً «ليست من مستحدثات الإسلام، بل هي قديمة من أول عهد التمدن القديم، وقد وضعها يونان أثينا على سكان سواحل آسيا الصغرى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين... فهان على سكان تلك السواحل دفع المال في مقابل حماية الرؤوس، والرومان وضعوا الجزية على الأمم التي أخضعوها، وكانت أكثر كثيراً مما وضعه المسلمون بعدئذ، فإن الرومان لما فتحوا غاليا/فرنسا وضعوا على كل واحد من أهلها جزية... نحو سبعة أضعاف جزية المسلمين... أما الجزية في الإسلام فقد كان النبي يقدرها بحسب الأحوال، وعلى مقتضى التراضي...» راجع جورجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، ج1، ص219، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان.
حادثة تحطيم الأصنام بمكة كانت رسالة تأسيسية لإعلان التوحيد داخل حرم قبلة المسلمين، ولكنها لم تصبح أيديولوجيا حداثية متطرفة تحطم ما تجده في بلاد الرافدين والشام ومصر، بل بقيت كما هي آثار الرافدين وغيرها مئات السنين حتى جاءت القاعدة وداعش وأمثالهما فحطمت الجميع حتى تماثيل باميان في أفغانستان، إنها هوية الأمة الإسلامية بالمعنى الحداثي، تقاتل عن مخيالها الأسطوري كما قاتلت النازية عبر الأمة الألمانية دفاعاً عن مخيالها الآري الأسطوري، وقاتل موسوليني عبر الأمة الإيطالية دفاعاً عن مخيالها الروماني الأسطوري.
حتى قدرنا في التعامل مع اليهود تشربناه كاملاً من الغرب الحداثي الذي مسح كراهيته لليهود بنا وألصقها بتاريخنا وصدقناه، بينما الحقيقة العربية تنفي عنا هذه الكراهية بل موقفنا من اليهود - إن وجد - فهو موقف ميكروسكوبي صغير في حوادث صغيرة متفرقة لها ظرفها التاريخي الطبيعي «آنذاك»، لنعممها على تاريخ الإسلام الممتد إلى 1426 عاما، كتاريخ واسع جداً من التسامح منذ النبوة الأولى مروراً بالأمويين والعباسيين وصولاً للأندلس.
لكن الفترة التاريخية الضيقة والصغيرة جداً سيتم النفخ فيها عبر الاستشراق لتصبح البديل الموضوعي للشر الكامن في الضمير المسيحي الغربي ضد اليهود، وقد شربنا ذلك لآخر قطرة في كأس المفاهيم الكولونيالية/الحداثية. وللحديث بقية