المبالغات جزء من تبرير جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وصولاً إلى تسخيف الإبادة الجماعية. لم يخرج ممثلو عشرات الدول من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة لأنهم متعاطفون مع «حماس» أو مع إيران بل لأنهم- مثل معظم من بقوا في القاعة- مناصرون للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. مَن غادروا لئلا يسمعوا الأكاذيب ويصبحوا شهوداً يصدقونها، يتشاطرون الرأي مع معظم الذين بقوا واستمعوا، بأن نتنياهو جاء لإبلاغ الجميع تكراراً أنه لا يبالي بالقانون الدولي الذي يتحدث من منبره، وأن خطاب تصفية الحسابات الذي ألقاه كُتب بانفعال مَن يشعر بأنه ضُبط متلبساً ولم يجد سوى الفظاظة للدفاع عن نفسه، حتى أنه هاجم دولاً غربية «استعمارية» كان لها دور في إقامة دولته.
قد يفيده الخطاب انتخابياً، ولا غرابة في ذلك، فهو أخرج أكثر بضائع التطرّف والكراهية والعنصرية رواجاً في إسرائيل الحالية. وإذ هاجم عمدة نيويورك زهران ممداني فإن الأخير ردّ بأقوى اتهام لنتنياهو بأنه «العقل المدبر لإبادة جماعية مروعة ضد الفلسطينيين». وكان ترمب حرص في خطابه على دعوة كل الدول إلى انسحاب جماعي من المحكمة الجنائية الدولية، ليس فقط «حمايةً لصديقه» بل لأن هذه المحكمة ضبطت نتنياهو، ولأن الاتهامات التي وجهتها إليه يتبنّاها قسم متنامٍ من الرأي العام الأمريكي وتبدو «مقبولة» لدى حلفاء لواشنطن، وما القول إن المحكمة تريد ملاحقة أمريكيين سوى ذريعة لإغراقها بالعقوبات والسعي المحموم إلى تفكيكها وإسقاطها.
لكن كيف يمكن لترمب أن يوفّق بين دفاعه عن نتنياهو وإسرائيل وبين السكوت عما ترتكبه في قطاع غزّة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. وكيف له أن يضفي أي صدقية على السياسات التي يطرحها تحت عنوان «السلام»: من «خطة غزّة» التي تعطّلها إسرائيل إلى التغاضي عن ضمّها الفعلي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، ومن احتلال مدن وبلدات في جنوب لبنان إلى احتلال مزيد من الأرض السورية؟ لا تستطيع إسرائيل التوسّع أو طرح مشروع «إسرائيل الكبرى» إلا لأنها تستقوي بالدعم الأمريكي، ألم يكن ترمب نفسه هو مَن قال قبيل انتخابه عام 2024 إن «مساحة إسرائيل تبدو صغيرة جداً على خريطة الشرق الأوسط»، وإنه فكر مراراً في «كيفية توسيع مساحتها»؟
كلّما تغاضت واشنطن عما تحتلّه إسرائيل سواء بالاستيطان أو بالاجتياح كلّما أفرغت «السلام» الذي تدّعيه من أي مضمون، فـ«السلام يفترض تقييد القوّة بالقانون» بحسب التصريحات الوداعية لأنطونيو جوتيريش. لم يكن حضور الرئيس محمود عباس والقاءه «كلمة فلسطين» ليعني سوى أنها وشعبها لا يزالان موجودين ويحذّر من أنهما مهددان «وجودياً»، لكن منعه بحجب تأشيرة الدخول يريد للمرّة الثانية تعزيز سردية إسرائيل النافية وجود هذا الشعب، والمبيّتة «نيّة الإبادة» ضدّه. كما يرمي الى أهداف أخرى حاول «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين» التذكير بها، أذ أصرّ على أن «حلّ الدولتين هو المسار الوحيد المتفق عليه دولياً لضمان حق الفلسطينيين في تقرير المصير وتحقيق الأمن الدائم لإسرائيل وإرساء السلام في المنطقة»، وأوضح أنه «لا يمكن أن يكون لغزة مستقبل سياسي منفصل ويجب أن تفضي الترتيبات الانتقالية لإعادة توحيدها مع الضفة تحت سلطة حكومة فلسطينية شرعية واحدة».
هذا «التحالف» يؤيّد «خطة ترمب» لغزّة لكنه مدركٌ أن ما يخفيه الدعم الأمريكي لإسرائيل أسوأ مما يظهره. فالخطة تهدف عملياً إلى إبقاء غزّة خارج الأرض الفلسطينية لتسويغ التصرف بهويتها وهوية شعبها ومواصلة التخطيط لتهجيره. أما الامتناع الأمريكي عن إدانة التوسّع الاستيطاني وعدم التدخل للحدّ منه، كذلك السكوت عن تهميش السلطة الفلسطينية وقرصنة أموالها، وعن المهمة «الرسمية» الموكلة إلى المستوطنين لترهيب السكان الفلسطينيين والتنكيل بهم لدفعهم إلى الهجرة، وعن انتهاك الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية لتهويدها... فليس خافياً أنه جزء أصيل من السياسة الأمريكية.
كلّ ذلك يدفع لبنان وسوريا إلى التشكيك في مبادرات واشنطن، من ترتيب المفاوضات إلى إبداء مظاهر الرعاية والاهتمام، لإضاعة الوقت وترسيخ الواقع الاحتلالي على الأرض.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»