وإذا كانت الثقافة تتصل بما ينتجه المجتمع من قيم ومعارف وفنون، والسياسة تتصل بإدارة المصالح والخيارات، فإن للإعلام وظيفة متميزة تتقاطع معهما، هي تنظيم حضور الوقائع والأفكار في المجال العام، والتأثير في الطريقة التي يفهمها الناس بها، ولذلك فإن سؤال الإعلام المرحلي هو عن الكيفية التي يصبح بها التحول الوطني معرفة مشتركة، وعن قدرة السعودية على تقديم ذاتها وتفسير خياراتها وإيصال صوتها.
وتتيح قراءة حضور سمو الأمير الإعلامي استخلاص ملمح واضح، هو وصل القرار بمنطقه وفلسفته، فالحديث عن الاقتصاد يقود إلى الفرص والموارد، والحديث عن المجتمع يفتح أسئلة الهوية والحياة، والحديث عن السياسة يضع المصالح الوطنية في مقدمة التفسير، وهذه قراءة لدلالات الخطاب والممارسة، ومنها يمكن فهم ما يتطلبه مشروع بهذا الاتساع من الإعلام الذي يواكبه، وما يحتاج إليه الإعلام نفسه من تطوير ليستطيع أداء هذه المسؤولية.
وها هنا يلتقي مساران: إعلام يفسر التحول، وتحول يعيد بناء الإعلام، ومن ثم فإن اختزال التطور الإعلامي السعودي في تبدل المحتوى أو تجدد الوجوه والمنصات يغفل ما يجري في بنيته المؤسسية والمهنية، فالتأثير المستدام يحتاج إلى منظومة تتكامل فيها السياسة العامة والتنظيم والإنتاج والتأهيل والاستثمار، وتصبح فيها جودة الرسالة ثمرة لقدرة مؤسسية، تتجدد بتجدد المعرفة والتقنية والجمهور.
وفي هذا السياق تبرز وزارة الإعلام، وما تقوده من برامج ومبادرات لتطوير القطاع، حيث حمل إعلان وزير الإعلام سلمان الدوسري «عام 2024 عامًا للتحول الإعلامي» دلالة تتجاوز المناسبة، بوضع التطوير عنوانًا للعمل في المنظومة الإعلامية، ويمكن قراءة هذا الاتجاه، ضمن مشروع رؤية السعودية 2030، باعتباره انتقالًا نحو توسيع قدرة الوزارة على تمكين الصناعة الإعلامية وتأهيل كوادرها وتطوير أدواتها.
ويكشف التطور التنظيمي جانبًا آخر من هذا البناء، فقد شهد عام 2023 تحول هيئة الإعلام المرئي والمسموع إلى الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، واتساع نطاقها ليشمل القطاع بمختلف وسائطه، وتكمن دلالة ذلك في التعامل مع الإعلام بوصفه مجالًا مترابطًا، تتداخل فيه الصحافة والبث والمنصات الرقمية وصناعة المحتوى، وتحتاج أنشطته إلى مرجعية تنظيمية ترتب هذا التداخل.
ومن هنا تتضح أهمية المنظومة النظامية، بما تتناوله من تراخيص وضوابط ومسؤوليات، فوضوح القواعد يساعد الممارس على معرفة التزاماته، ويمنح المستثمر قدرة على التخطيط، ويعين الجمهور على تمييز المسؤولية عن المحتوى.
وتزداد قيمة التنظيم إذا اقترن بوضوح الإجراءات وتناسبها مع طبيعة النشاط، وبقدرته على استيعاب المستجدات، فالإعلام مجال سريع التغير، ويحتاج بناء مهنيته إلى قواعد تحمي الحقوق وتتيح للإبداع مساحة ينمو فيها، وإلى تكامل مفهوم بين أدوار الوزارة والجهة المنظمة والمؤسسات المنتجة.
أما المهنية فتبدأ من الإنسان الذي يصنع الرسالة، وتقدم «أكاديمية الإعلام السعودية» التابعة للوزارة شاهدًا على هذا الاتجاه، عبر مساراتها التدريبية، وبرامجها المتخصصة، وتكمن أهميتها في وصل التأهيل بالممارسة والتخصص، فالمؤسسة تحتاج إلى قيادة تحسن إدارة التغيير، كما تحتاج إلى صحفي يفهم موضوعه ومنتج يمتلك أدواته.
ويمتد التطوير إلى الأدوات الرقمية، ومن شواهده التعاون الإستراتيجي الذي أعلنته الوزارة مع «قوقل» في فبراير 2024 لدعم التحول الرقمي للقطاع، وهذه الشراكات تفتح مجالًا لتطوير القدرات والاستفادة من التقنية، وتمنح هذه التطورات حديثنا عن القوة الإعلامية أساسه المؤسسي، فصناعة التأثير تحتاج إلى مؤسسات تستثمر في البحث والتدريب والإنتاج، وإلى بيئة تستطيع استقطاب المواهب ورأس المال، وإلى نماذج عمل تحفظ استدامة الجودة، كما تحتاج إلى محتوى يخاطب الشعوب بلغاتها، ويدرك اختلاف مرجعياتها، ويعرف أن ترجمة الكلمات لا تكفي وحدها لنقل المعنى، وهنا يصبح الاستثمار في الإنسان الإعلامي جزءًا من قدرة الوطن على الحضور والمنافسة.
وفي مخاطبة العالم، يكتسب اختيار المنصة والجمهور دلالته، فقد أجرى سمو الأمير مقابلات متعددة في أزمنة مختلفة مع مجموعة من القنوات العالمية، واضعًا الخطاب السعودي أمام جمهور دولي عبر منصاته المعروفة، ويمكن قراءة هذا الحضور بوصفه إدراكًا لأهمية الوصول إلى الناس في فضائهم الإعلامي، وتقديم الموقف السعودي مباشرة، بلغة تدرك أسئلتهم ومصادر تصوراتهم.
وتتصل بذلك قدرة السعودية على امتلاك المبادرة في التعريف بذاتها، فهي بتاريخها وثقلها ومشروعها تملك من الحقائق ما يؤسس روايتها الوطنية، وتحتاج هذه الحقائق إلى كفاءة في عرضها وتفسيرها، ومتى ظل إعلامنا ينتظر ما يقال عنا ليجيب عنه، استهلك الآخرون جهده وحددوا موضوعاته، أما المبادرة فتبدأ من أسئلتنا وأولويات وطننا، ومن القصص التي تستحق أن يعرفها العالم عن مجتمع يصنع مستقبله.
وفي الداخل، تصبح المسؤولية أشد اتصالًا بحياة المواطن، فالتحولات الكبرى تعيد ترتيب التوقعات، وتغير علاقة الإنسان بالعمل والفرص والخدمات، ويحتاج المواطن إلى تفسير يبين غاية القرار، ومراحل تنفيذه، وأثره المتوقع، وما قد يصاحبه من صعوبات، وكلما اتسعت المسافة بين لغة المؤسسة وتجربة الناس نشأ فراغ تتكاثر فيه التأويلات، وهنا تتجلى قيمة الإعلام القادر على الإصغاء ونقل الأسئلة ومتابعة الإجابات، حتى تصبح المعرفة أساسًا للمشاركة والثقة.
وفي البيئة الرقمية تتضاعف مسؤولية التمييز بين الانتشار والتأثير، فقد تصنع الخصومة ضجيجًا واسعًا، وتستهلك معه رصيدًا من الثقة والاتزان، وقد تبلغ مادة هادئة موثقة جمهورًا أقل، لكنها تترك معرفة أعمق وأطول عمرًا، ولهذا يحتاج الإعلام الوطني إلى استقلال في تقدير أولوياته، وإلى وعي يمنعه من تسليم وقته لكل استفزاز، فمكانة السعودية تفرض على من يتناول قضاياها معرفة تليق بها، ورصانة تحفظ وزنها.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الإعلام في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان من خلال الصلة بين بناء المنظومة وبناء الوعي، فالتنظيم والتأهيل والتقنية والاستثمار تمنح الإعلام قدرته، والصدقية والمعرفة والمسؤولية تمنحه قيمته، والسعودية تصنع تجربة تستحق أن تروى بعمقها، وأن تفهم في سياقها، وأن يبقى صوت أبنائها أولًا في تفسيرها.