هنا يحق لنا أن نسأل: من يحمينا من بعض التجار؟
العالم يعيش اليوم ظرفاً جيوسياسياً استثنائياً. الحروب والتوترات التجارية واضطرابات الملاحة والعقوبات وتغير أسعار الطاقة أصبحت عوامل حقيقية تؤثر في سلاسل الإمداد العالمية. ولا يمكن مطالبة القطاع الخاص بتحمل تكاليف لم يتسبب فيها. لكن الخطر يكمن في تحول الأزمة من سبب حقيقي لارتفاع التكلفة إلى ذريعة جاهزة لرفع الأسعار.
هناك فارق اقتصادي وأخلاقي كبير بين تاجر وصلت إليه الشحنة الجديدة بتكلفة أعلى، وتاجر لديه مخزون ضخم اشتراه بالسعر القديم ثم أعاد تسعيره خلال ساعات وفق تكلفة مستقبلية لم يتحملها بعد.
في الحالة الأولى نحن أمام انتقال طبيعي لزيادة التكلفة إلى المستهلك. وفي الأخرى قد نكون أمام ما يمكن وصفه اقتصادياً بتحويل الخوف من المستقبل، إلى هامش ربح في الحاضر.
المسألة ليست جديدة على الاقتصادات المتقدمة. الاتحاد الأوروبي -على سبيل المثال - لا يعالج الأسواق من زاوية تحديد الأسعار بصورة مركزية، إنما من خلال منظومة واسعة من قوانين المنافسة وحماية المستهلك، ومواجهة الممارسات التجارية غير العادلة.
المادة 102 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي تحظر إساءة استغلال المركز المهيمن، وتذكر صراحة فرض أسعار بيع أو شراء غير عادلة ضمن الصور التي يمكن أن تشكل إساءة استغلال. كما يدخل تقييد الإنتاج أو الأسواق أو التطور التقني بما يضر المستهلك ضمن صور السلوك المحظور. وهذا لا يعني أن كل زيادة في السعر مخالفة، إنما يعني أن حرية التسعير ليست حصانة مطلقة عندما تجتمع القوة السوقية مع الممارسة الضارة بالمنافسة والمستهلك.
في سلسلة الغذاء، ذهب الاتحاد الأوروبي إلى مستوى أكثر تفصيلاً من خلال التوجيه 2019/633 لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة في سلسلة الإمداد الزراعي والغذائي. ويحظر التشريع مجموعة من الممارسات التي تستفيد من اختلال القوة التفاوضية بين الأطراف، ضمن توجه أوسع يقوم على الشفافية وعدالة التعامل وكفاءة سلسلة الإمداد.
هذه الفلسفة التشريعية مهمة لنا؛ لأن القضية ليست في منع التاجر من تحقيق الربح. الربح هو المحرك الطبيعي للاستثمار والتجارة، ومن دونه لن يحتفظ أحد بمخزون إستراتيجي ولن يتحمل مخاطر الاستيراد. القضية في التمييز بين الربح الناتج عن المخاطرة والكفاءة، والربح الناتج عن استغلال ظرف استثنائي لا علاقة له بالتكلفة الفعلية للسلعة الموجودة في المستودع.
ويمكن تصور نموذج رقابي أكثر ذكاءً في أوقات الأزمات. عندما ترتفع أسعار سلعة أساسية بنسبة كبيرة خلال مدة قصيرة، يمكن للجهة الرقابية أن تطلب بيانات المخزون، وتاريخ شرائه، وتكلفته، والكميات المتوافرة، وتكلفة الشحن والتأمين الجديدة، ومبررات الزيادة. عندها يصبح السؤال بسيطاً: هل ارتفعت تكلفة هذه السلعة فعلاً أم ارتفع سعرها لأن الجميع يتوقع أن ترتفع تكلفتها مستقبلاً؟
في مقالة تالية .. أحاول الإجابة.