كان بلوغ الستين في أزمنة قريبة، كافيًا لتغيير موقع الإنسان في المجتمع. تتراجع مسؤولياته، تضيق دائرة نشاطه، وتتبدل صورته في أعين الآخرين، حتى تكاد المرحلة العمرية تفرض عليه طريقة محددة للحياة.

اليوم يبدو المشهد مختلفًا. الستيني قد يعمل ويسافر ويمارس الرياضة ويتعلم ويبدأ مشروعًا جديدًا، وقد يمتلك من الصحة والاستقلال ما يسمح له بسنوات طويلة من النشاط.

الأرقام تؤكد أن المسألة تتجاوز تغير المظهر ونمط الحياة. ارتفع متوسط العمر المتوقع في السعودية إلى نحو 79 عامًا، وأصبح الوصول إلى الستين يعني بالنسبة لكثيرين أن أمامهم سنوات طويلة يمكن أن تظل منتجة وثرية. تغير العمر، وربما أصبح من الضروري أن تتغير معه تصوراتنا عنه.


الشيخوخة البيولوجية لم تختف، والجسد يواصل رحلته الطبيعية، لكن موعد الشيخوخة الاجتماعية أصبح أقل وضوحًا. لم يعد الرقم وحده قادرًا على وصف الإنسان أو تحديد قدرته ودوره. وبين منتصف العمر والشيخوخة المتأخرة اتسعت مساحة زمنية يصعب حتى العثور على اسم دقيق لها. نقول عن صاحب الستين «كبير سن»، ثم نستخدم الوصف نفسه لمن تجاوز التسعين، مع أن الفارق بين تجربتيهما وقدراتهما قد يكون شاسعًا.

وربما يقود البحث عن اسم لهذه المرحلة إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا أعددنا لها؟

لدينا مسارات واضحة لبدايات العمر؛ تعليم يتدرج بالطفل، وجامعة تستقبل الشاب، وسوق عمل ينظم سنوات الإنتاج، ثم يصل الإنسان إلى التقاعد، يقام له حفل صغير، يتسلم درعًا وصورة تذكارية، ويعود إلى منزله. بعدها يصبح ترتيب السنوات التالية شأنًا شخصيًا إلى حد بعيد، مع أنها قد تمتد عشرين عامًا.

التقاعد نفسه يستحق إعادة التفكير، كونه انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الحياة. ففي الستين كثير من الناس يكونون قد وصلوا لذروة خبرتهم المهنية. المعلم يحمل تجربة عقود في التعليم، والإداري يعرف تفاصيل المؤسسات، والطبيب والمهندس والمحاسب وغيرهم يملكون معرفة لا تمنحها الكتب ولا الدورات القصيرة. خروج هذه الخبرات دفعة واحدة من دائرة العمل يعني فقدان مورد معرفي يمكن الاستفادة منه بصورة أكثر مرونة.

يمكن أن ينشأ لذلك مسار منظم ومتاح للراغبين بعد التقاعد، يضم الأعمال الجزئية والاستشارات والتدريب والإرشاد المهني والمشاركة في المشروعات واللجان والتطوع المتخصص. ويمكن لمنصة وطنية للخبرات أن تربط أصحاب التجارب المتراكمة بالمدارس والجامعات والشركات والجمعيات والجهات التي تحتاج إليهم في مهمات محددة، دون الحاجة إلى وظيفة تقليدية كاملة.

وجود المسار المؤسسي مهم أيضًا لتحقيق تكافؤ الفرص. فالاستمرار المهني بعد التقاعد يعتمد أحيانًا على شبكة العلاقات الشخصية؛ يجد أحدهم عقدًا استشاريًا أو فرصة تدريب لأنه يعرف الطريق إليها، بينما يملك آخر خبرة مماثلة ولا يعرف أين يعرضها. المنصة المفتوحة تحول الخبرة إلى مورد يمكن الوصول إليه وفق معايير واضحة، وتمنح صاحبها فرصة اختيار مقدار مشاركته وطبيعتها.

لا ينبغي أن تختزل هذه المرحلة في استمرار العمل.

السنوات الطويلة بعد التقاعد تحتاج أيضًا إلى حياة مصممة لها:

برامج ثقافية ورياضية، رحلات، أندية اجتماعية، تعلم جامعي مرن، فنون، مجموعات قراءة، سياحة وتطوع.

الفراغ الذي يخشاه كثير من المقبلين على التقاعد لا يعالج بإشغال الوقت فقط، وإنما ببقاء الإنسان جزءًا فاعلًا من المجتمع، يملك سببًا للخروج من منزله، ودائرة جديدة من العلاقات، ومساحة يتعلم فيها ويمنح الآخرين شيئًا مما تعلمه.

ربما نحن أمام مرحلة عمرية جديدة لم يمنحها المجتمع اسمًا واضحًا بعد، ولذلك لم يبن لها مؤسساتها كاملة.

نجح الطب وتحسن مستوى الحياة فأضاف سنوات إلى أعمارنا، وأصبح التحدي أن نمنح هذه السنوات مضمونًا يليق بها.

الفراغ الذي يخشاه كثير من المقبلين على التقاعد لا يعالج بإشغال الوقت فقط، إنما ببقاء الإنسان جزءًا فاعلًا من المجتمع، يملك سببًا للخروج من منزله.. خروج مفعم بالحيوية ، لا رفاهية,