إعادة التعاقد مع المتقاعدين برواتب مرتفعة.. هل نمنح الشباب فرصة حقيقية أم نكتفي بالحديث عن التمكين؟

هناك قرارات تبدو في ظاهرها إدارية، لكنها - في حقيقتها - تحمل أبعادًا وطنية تتجاوز حدود الوظيفة والراتب والمسمى الوظيفي. في الوقت الذي ينتظر فيه جيل من الشباب المؤهلين فرصته في سوق العمل.

ليست المشكلة في المتقاعد، ولا في حقه - المشروع - في أن يواصل العطاء متى امتلك القدرة والرغبة. المشكلة في تحول الخبرة السابقة إلى بوابة مغلقة أمام الكفاءات الجديدة، وأن يصبح شغل الوظيفة امتدادًا شخصيًا لا ينتهي، بدل أن يكون جزءًا من دورة طبيعية تتجدد فيها الدماء والأفكار والمهارات. والسؤال هنا ليس: هل يستحق المتقاعد العمل؟ بل: هل تستحق الأجيال الجديدة فرصة العمل أيضًا؟


لا يمكن إنكار أن المتقاعدين يمثلون رصيدًا مهمًا من الخبرة والتجربة. فقد أمضى كثير منهم سنوات طويلة في الخدمة، وأسهموا في بناء أنظمة وتجارب تراكمية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة. لكن المؤسسات الناجحة لا تقيس مستقبلها بعدد السنوات التي عاشتها داخل مكاتبها، إنما بقدرتها على التجدد، فالخبرة إذا لم تنتقل إلى جيل جديد تتحول من ثروة وطنية إلى ملكية فردية. والعطاء الحقيقي لا يعني أن يظل الإنسان في الموقع نفسه إلى ما لا نهاية، بل يترك وراءه مؤسسة قادرة على الاستمرار من دونه.

إعادة التعاقد مع المتقاعد في الموقع ذاته، وبالشروط ذاتها أو بمزايا أعلى، قد تحقق راحة إدارية مؤقتة، لكنها تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا لم تُبنَ خلال سنوات الخدمة «صفوف ثانية» من الكفاءات القادرة على تولي المسؤولية؟ وهل يعقل أن تظل بعض المواقع رهينة أسماء محددة، وكأن المؤسسات لا تستطيع العمل إلا بوجود الأشخاص أنفسهم؟

في المقابل، يقف جيل جديد يحمل مؤهلات وتجارب مختلفة تمامًا، جيل من الشباب السعوديين الذين ابتُعثوا إلى جامعات عالمية، وتخصصوا في مجالات يحتاجها المستقبل، وعادوا إلى وطنهم وهم يحملون معرفة بالاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتحول المؤسسي، وإدارة الابتكار.

هؤلاء الشباب لا يمثلون مجرد طالبي وظائف، بل يمثلون استثمارًا وطنيًا طويل الأمد، فالدولة التي تنفق على تعليم أبنائها وتأهيلهم في أرقى المؤسسات التعليمية، إنما تفعل ذلك لأنها تؤمن بأن المعرفة قوة، وأن الإنسان هو المحرك الحقيقي للتنمية. وقد جعلت رؤية السعودية 2030 تطوير رأس المال البشري، وتمكين الشباب، ومواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل، من أولوياتها الأساسية. كما تؤكد برامج تنمية القدرات البشرية على أهمية إعداد الشباب للوظائف المستقبلية وتعزيز قدرتهم على المنافسة عالميًا. فإذا

عاد الشاب المبتعث ليجد أن المواقع النوعية ما زالت مشغولة بأشخاص سبق لهم التقاعد، أين يطبق ما تعلمه؟

وأين يجد المساحة التي تمكنه من تحويل المعرفة إلى ممارسة؟..وحتما للحديث صلة.