مشهد بسيط في زمنه، بعيد الغور في دلالته؛ فقد دخل ضِمام يبحث عن أعظم إنسان وطئت قدماه الأرض، فرأى مجلساً غابت عنه هندسة الامتياز: لا مقاعد ترتب الناس على مقادير سلطانهم، ولا حجاب يصنعون المسافة، ولا رجال يتقدّمون بين يدي القائد ليوقظوا الأبصار قبل وصوله.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم واحداً في الهيئة، سيّدهم في الحقيقة؛ حتى احتاج الغريب إلى من يدله عليه. كانت عظمته نابعة من ذاته، ومكانته راسخة في القلوب؛ فاستغنت عن موكب يشرحها، وعن ضجيج يلفت إليها. هيبة صاغها الوحي، وزكاها الخُلُق، وملأت النفوس قبل أن تملأ العيون. ذلك قبسٌ من قول الله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وقد اختصرت عائشة رضي الله عنها هذا الكمال كلّه في كلمات: «كان خُلُقه القرآن».
في سؤال ضِمام: «أيُّكم محمد؟» فلسفة كاملة للسلطة. المقام الراسخ في النفس هادئٌ بطبعه؛ فالقيمة المكتملة في الداخل لا تستجدي شواهدها من الخارج. والرجل الكبير يحمل المنصب كما يحمل الأمين وديعته: يزداد به مسؤولية، ويقترب به من حاجات الناس، ويرى اتساع سلطته اتساعاً في دائرة حسابه. أما النفس التي تنتظر من الكرسي أن يمنحها قدراً افتقدته، فإنها تحوّل المنصب إلى تعويض داخلي؛ فتُكثر حوله الهيلمان، وتنسج من البروتوكول أسواراً، وتستدعي من مظاهر التعظيم ما يقنعها بحجمها قبل أن يقنع الآخرين.
هنا يغدو المنصب مرآة مكبّرة لما استقر في أعماق صاحبه: امتلاء أو خواء، ثقة أو قلقاً، نضجاً أو جوعاً إلى الاعتراف. ومن أصدق العلامات على ذلك أن يضيق المسؤول بمن يناديه باسمه مجرداً من لقبه؛ كأن الاسم الذي صحبه عمره كله لم يعد صالحاً للتعريف به، وكأن كرامته أصبحت معلقه بكلمة ينطق بها الناس قبله. يتحوّل اللقب من وصفٍ وظيفي إلى غذاءٍ نفسي، ويصبح سقوطه من النداء خدشاً في صورة الذات.
الواثق يسمع اسمه فيأنس بإنسانيته، والقلق يتشبث بلقبه مخافة أن يعود في أعين الناس إلى حجمه الحقيقي. وكلما خفّ رصيد المسؤول من الإنجاز، ثقلت حاجته إلى الزينة؛ موكب يسبقه، وأصوات تعلن قدومه، وأيد تفسح له الطريق، وهالة تتولى تضخيم حضوره. صاحب الأثر يدخل إنجازه قبله، وصاحب الفراغ يبعث الآخرين أمامه ليخبروا الناس بمكانته. الأول تتحدث عنه أعماله وهو صامت، والآخر يعلو الضجيج حوله كيلا يُسمع صمت سجله. وللهالة صُناع ينتفعون بها. فبعض المحيطين بالمسؤول يحرصون على تكبير صورته، لأنهم يكبرون في أطرافها؛ ويوسّعون المسافة بينه وبين الناس، لأن نفوذهم يسكن تلك المسافة. يصنعون الحواجز باسمه، ويقيمون الطقوس حوله، ثم يوهمونه أن ذلك من تمام الهيبة وحفظ المقام، وقد تنمو هذه المظاهر وهو عنها غافل.
من هنا تصبح يقظة المسؤول باباً من أبواب التواضع؛ يراجع ما يُصنع باسمه، ويفكّك الامتيازات التي تتكاثر حول كرسيه، ويفتح الطريق الذي تحاول الحاشية إغلاقه. فالحاشية قد تحرس مكانتها وهي تزعم أنها تحرس هيبته، وقد تعزل المسؤول عن الحقيقة تحت ستار توقيره، حتى لا يسمع من مؤسسته إلا الصدى الذي صنعته له. الهيبة الأصيلة يصنعها العدل، ويحرسها الإنجاز، ويعمّقها التفاني. أما الهيبة المصنوعة فتأكل من روح المؤسسة لتغذّي صورة فرد، وتستهلك طاقة العمل في ترتيب دخوله، وتلميع حضوره، وتفسير كلماته. ومقدار القائد ما يضيفه إلى المكان، لا ما يأخذه منه.
ومن جماليات هذا العهد الزاهر في بلادنا، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ترسيخ ثقافة العمل والإنجاز والكفاءة؛ فالموقع ميدان خدمة، والسلطة أمانة، وقيمة المسؤول تُقرأ في حياة الناس، وفي المشروعات التي أنجزها، وفي الأبواب التي فتحها، وفي الأثر الذي يبقى حياً بعد أن يغادر الكرسي.
«أيُّكم محمد؟» سؤالٌ جدير بأن يعلّقه كل مسؤول على باب قلبه: بأي شيء يعرفني الناس؟ بما حولي أم بما صدر عني؟ بالهالة التي تسبق مجيئي أم بالخدمة التي تبقى بعدي؟ باللقب الذي يجاور اسمي أم بالأثر الذي يخلّد عملي؟