الأحداث المتسارعة التي شهدتها أفغانستان خلال الأيام الماضية كانت بالأساس نتاج التحركات ذات النفس الطويل التي قامت بها حركة طالبان للسيطرة على المدن تباعاً، حتى عادت إلى حكم البلاد بعد أن خاضت نحو 20 عاما من الحروب مع القوات الأجنبية، التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك القوات الحكومية التي كانت تدعمها واشنطن، والتي احتلت البلاد بعد حروب شرسة مع حركة طالبان لجأت فيها الأخيرة إلى الجبال الأفغانية، وبدأت حرباً مفتوحة مع القوات الأمريكية، لكن لم يستمر حكم طالبان كثيرا فواجه كثيرا من الصعوبات، منها أن كل حكومات العالم تقريبا رفضت الاعتراف بنظام حكمها، باستثناء دول محدودة للغاية في مقدمتها باكستان، إلى أن تدخلت الولايات المتحدة عسكريا وأطاحت بالحركة عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 بداعي أن الحركة ترعى الإرهاب وتتستر على قيادات تنظيم القاعدة الإرهابي، وفي مقدمتهم زعيم التنظيم السابق أسامة بن لادن.

هذا التحرك الذي قامت به حركة طالبان لم يكن وليد اليوم، أو أنه جاء صدفة أو أنه يعكس قوة التنظيم في البلاد، بل هو نتاج اجتماعات مكثفة جرت في كابل وقطر بين الحكومة الأفغانية والحركة نتج عنها التسليم الهادئ للسلطة في البلاد، وكان يفترض أن يتم ذلك منذ شهر بعد مؤتمر قطر، ولكن واشنطن أجلت تسليم السلطة لحين بدء عمليات الانسحاب من أفغانستان.

الولايات المتحدة من جانبها أرادت من هذا الانسحاب، تهديد المنطقة خصوصاً قطبي الصراع الدولي (روسيا-الصين)، كما أنه يشير بوضوح إلى نية واشنطن إعادة التوازن في المنطقة، كما أنه يشير وبوضوح إلى التموضع الأمريكي، خصوصاً مع النفوذ المتزايد لهذين القطبين، الأمر الذي يجعل الوضع في منطقة شرق آسيا مربكاً تماماً، إلى جانب التهديد المباشر لجوار أفغانستان ألا وهي إيران، والتي تعتبرها واشنطن خطراً عليها في المنطقة، لذلك سارعت طهران إلى الجلوس مع حركة طالبان والتفاوض حول سيطرتها على كابل، وضرورة حماية أمن المنطقة ومنع أي تهديد مستقبلي للاستقرار فيها، وهذا ما يعد استباقاً للأحداث فيها، والسيطرة على الموقف من خلال جلسات الحوار التي شهدتها طهران مع الحركة، والتي انتهت باتفاق حماية الشعب الأفغاني، وعدم تهديد الأمن والسلم في المنطقة عموماً.