نحن نتحدث هنا عن معلمات قضين سنوات في الغربة والتشتت والابتعاد عن الأهل والأبناء، ويعشن صراعا يوميا، للتغلب على صعوبات الغربة، ويمنين أنفسهن عند بداية كل عام دراسي بأنه العام الأخير لهن في الغربة، وأن حلم الاستقرار الذي طال انتظاره سيتحقق قريبا، ثم للأسف تأتي حركة النقل لتخيب الآمال ويؤجل هذا الحلم عاما آخر!.
تزدحم الكثير من الأفكار في عقل المغتربة وتخنقها الهموم، ماذا ستفعل مع أطفالها؟ لا تستطيع أخذهم جميعا معها ولا تستطيع تركهم!. تفكر في بُعدها عن أهلها وفي السكن والمواصلات!، بل إن بعضهن يعشن غربة مضاعفة، حيث تجدها تعمل في قرية ولا يمكنها السكن فيها، فتضطر للسكن في أقرب مدينة، ثم تسافر يوميا لهذه القرية!. أضف لذلك الأعباء المالية التي تفرضها الغربة، والتي لا تبقي من الراتب إلا اليسير.
لا يخفى على أحد أن حركة النقل التي تقوم بها وزارة التعليم لا تلبي الكثير من التطلعات، والغريب أن طالب النقل يمكنه أن يسجل حتى عشرين رغبة، ومع كثرة هذه الرغبات إلا أن النقل لا يتحقق على أي واحدة!، ويتكرر هذا الأمر عام بعد عام!.
أتفهم ألا يتحقق هذا الأمر ربما خلال السنة الأولى أو الثانية، ولكن أن يستمر هذا الأمر إلى أربع سنوات وأكثر فلا بد من الوقوف عنده، إذ ليس من المنطقي أنه خلال أربع سنوات لم يكن بالإمكان إيجاد فرصة نقل واحدة على الأقل لهذه المغتربة ضمن هذا العدد الكبير من الرغبات؟!.
بالطبع ربما لا يسجل طالب النقل الرغبات العشرين كاملةً، ولكن حتى لو افترضنا أنه أسقط النصف ستظل فكرة عدم إمكانية النقل ضمن عشر رغبات خلال هذه السنوات أمرا يدعو للتفكير.
والسؤال هنا: ألم يأن الأوان لإعادة النظر في آلية النقل وتطويرها، لكي تكون ملبية للتطلعات بشكل أكبر؟ أو على الأقل وضع خطط لتخفيف عناء هذه الغربة؟، خصوصا مع انتقال العملية التعليمية من نظام الفصلين إلى الفصول الثلاثة، وهو ما يعني أن استقرار المعلم والمعلمة أصبح ضرورة ملحة أكثر من قبل.
وهنا أود أن أتقدم ببعض الاقتراحات، آملا أن تحظى باهتمام صناع القرار بوزارة التعليم. أولا: من المستحسن أحيانا عند إدارة بعض الملفات الكبيرة تقسيمها لملفات أصغر، ومن هذا المنطلق أقترح توزيع طالبي النقل على نطاقات بحسب بُعدهم عن مقار سكنهم، فمثلا من يكون مقر سكنه المنطقة الشرقية، وهو يعمل في المنطقة الجنوبية أو الغربية، يتم وضعه في النطاق الأحمر، وهكذا تتدرج هذه النطاقات كلما اقترب أو ابتعد طالب النقل.
لن يسمح هذا الأمر بإنشاء قاعدة بيانات إحصائية أكثر دقة عن حالة طالبي النقل حسب المناطق والتخصصات المختلفة وحسب، بل وأيضا سيفتح المجال لإدارة هذا الملف على مستويات مختلفة، ووضع خطط لإيجاد الحلول لمن قضى مدة طويلة ضمن نطاق محدد، وهو طالب للنقل.
ثانيا: يواجه المغتربون والمغتربات الكثير من التحديات، وقد يحتاجون للمساعدة، ومن هنا يأتي اقتراحي الثاني، وهو إنشاء إدارة خاصة تعنى بشؤونهم على مستوى الوزارة وإدارات التعليم، مع توفير آلية تواصل فعالة، لكي يتمكنوا من إيصال هذه التحديات التي تواجههم، وقد يشكل هذا التواصل نقطة انطلاق لوضع خطط دعم لهذه الفئة.
هذه الخطط قد تتضمن تقديم تسهيلات وحوافز، لتخفيف عناء الغربة على الأقل، من حيث توفير السكن والمواصلات وتذاكر الطيران. الاقتراح الأخير هو إنشاء مؤشرات أداء تفصيلية، لقياس مقدار تحقيق حركة النقل أهدافها، التي منها بلا شك تعزيز استقرار المعلمين والمعلمات.
أخيرا.. لا يمكن لأحد أن يقول إن معالجة هذا الملف أمر بسيط، وأيضا نقدر الدور الذي تقوم به وزارة التعليم والجهود الذي تبذلها، ولكن هل من المجدي الاستمرار في الآلية الحالية نفسها مع ما هو واضح من ضعفها في تلبية تطلعات المعلمات المغتربات؟!.
من المحزن أن نرى هذه الفئة تعاني ونحن في هذا الوطن المعطاء، وفي ظل الدعم اللامحدود الذي يحظى به قطاع التعليم من القيادة، لذلك نأمل أن تنال هذه القضية اهتماما أكبر، وأن نرى في القريب العاجل حلولا تسهم في استقرار هؤلاء المعلمات وأبنائهن.