في مقال بهذه الزاوية قبل عامين تقريبا بعنوان «يا وزارة العمل: مطاعمنا تؤذي ذوي الهمم»، كان الحديث عن مسن كي يستطيع أن يأكل «نص مضغوط» في مطعم شعبي، فعليه سحب ابنه المعاق للصعود مع درج هذا المطعم والذي صمم بطريقة وكأن العملاء جميعهم من ممارسي رياضة الـ«هايكنج»، وصورة لحال معاق آخر يضطر للأكل في سيارة أسرته لوحده (سفري) بينما أسرته داخل المطعم، وكيف أن هذا المطعم يؤذي (ذوي الهمم) وأسرهم نفسيا رغم أن دخله اليومي قد يصل إلى 100 ألف ريال، فبدخل يوم واحد يمكن توفير بيئة مناسبة لذوي الهمم، وكان آخر المقال مطالبة بإنشاء تطبيق لرصد كل

ما يؤذي ذوي الهمم، مشابه في دوره وعمله لتطبيق «كلنا أمن» أو تطبيق البلاغات للبلديات والأمانات وغيرها من التطبيقات المشابهة.

والملاحظ من عنوان المقال ومحتواه أنه ما زالت المسميات هي «ذوو الهمم»، أي أنه كتب قبل اعتماد مسمى «الأشخاص ذوي الإعاقة»، وفور نشره اتصل بي المتحدث الرسمي لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية آنذاك، وأبلغني أنه تم إنشاء «هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة»، ويرأس مجلس إدارتها معالي وزير العمل والتنمية الاجتماعية آنذاك، وأن هذه الهيئة ستغير حياة المعاق من حولنا جذريا.

اليوم وبعد عامين، فقد اتضح ما قامت به وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية من جهة وهيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة من جهة أخرى، من حلول لما ورد في ذاك المقال، فرغم إقرار الوصول الشامل وربطه بمركز بلاغات وزارة الشؤون البلدية، فإن هناك شابا معاقا توقف بسيارته أمام «سرب» طويل من المطاعم المتصلة والتي بنيت جميعها في أواخر 2019 وبداية 2020، ونزل من السيارة شاب نحيل ليساند أخاه المعاق والذي يفوقه وزنا في الوصول لأحد تلك المطاعم، ولكن لم يجد مطعما واحدا مهيأ لاستقبال أخيه، فبدأ في المحاولات اليائسة لاجتياز الرصيف، وما إن وصل إلى وسط الدرج حتى خارت قوى هذا الأخ «النحيل»، وبقي «النحيل» تاركا أخاه معلقا لم يستطع النزول أو الصعود حتى لا يسقطه على الأرض، وبعد لحظات «صعيبة» ملؤها الأذية النفسية تجمع الناس لحمل المعاق لداخل هذا المطعم، ولأنني أسوة بالوزارة والهيئة كنت أقف وقوف المتفرج على هذا المعاق وهو شاب في العشرينيات يمتلئ بالحيوية، إلا أنني رأيت دمعته سقطت في تلك اللحظة التي يحمل فيها على أكتاف المارة، وهو يرى قدميه تتأرجحان في الهواء غير قادر على التحكم بهما بسبب من قام ببناء هذا المطعم ومن يملكه ومن لديه صلاحيات القرار بإغلاقه بل وتغريمه مئات الآلاف يذهب ريعها لخدمة ذوي الإعاقة وهذا المفترض و«ليس الواقع»، بل الواقع هو إقرار كلمات منمقة لا يتعدى تنفيذها الصفحات التي كتبت عليها، أو ليس من الممكن لهذه الهيئة وتلك الوزارة أن تقوم على الأقل بتوقيع شراكة بينها وبين سدايا لإنشاء خانة خاصة في تطبيق «توكلنا» للإبلاغ الحقيقي والذي يصل إلى أعلى المسؤولين في الهيئة بمجرد إرساله وليس للبلدية، حفظا لحقوق ودموع مزيد من ذوي الإعاقة التي تسقط في كل موقف كهذا يؤذيهم وأسرهم نفسيا وجسديا بل والمجتمع بأكمله كالذي حدث في ذلك المطعم، والذي تثبت المشاهد التي حفظتها كاميراته وغيره الآلاف أنه «ما زالت مطاعمنا تؤذي ذوي الإعاقة».