الإنسان في هذا العصر، اختلفت قيمه كذلك اختلفت قيمته، فلم يعد المثل «معك فلس تسوى...الخ»، دارجا هذه الأيام، وذلك لأن إنسان هذا العصر بات على وعي عال بقيمته الحقيقية، بعد أن أصبح مطلبا لكل المنظمات والمؤسسات، مما جعله ينزل من سلالم الرقي المادي التي كان يصعدها ليجمع قيمته من أشجار الآخرين، فيهبط ويختار أن يلبس بزة الغواص والمغامر المرن، فينزل القيعان المتجمدة داخل نفسه ويكسر جمودها ويسبح ليصل إلى الجذور الملتفة حول جوهره وبذرة شجرته البديعة وكوامنها من الشغف والمواهب الثمينة، ليعود إلى السقف حاملا بين يديه كنزه الخام، الذي يحتاج إلى صائغ بارع يشكلها بما يتناسب مع متطلبات هذا العصر لكي تزداد قيمةً وبريقاً ولا تفقد قيمتها الحقيقية أبداً.

ما أتحدث عنه هو مهاراتك أيها الإنسان العصري وتلك القيمة التي باتت مطلبا شخصيا ومجتمعيا، ومؤسسيا ومنظميا وكونيا كذلك.


هناك ظروف وأزمات قوية مرت بها هذه الأرض وأكثر ما تأثر بها هو إنسان هذه الأرض، عصفت به وعاداته وتقاليده فمعتقداته وقيمه وطرحتها عنه عندما اكتشف هو بنفسه أنها أصبحت تشكل حِملاً وعبئا على مقاومته وحياته، فما كان بالأمس ذو قيمة عالية ويقاس بها نجاحات الأفراد أو المنظمات أصبح اليوم هو ما يهدد تطورها وتقدمها، فالتعليم لأجل وظيفة المستقبل الأعلى مُرتباً أو جني الثراء المادي المُخدِر للنمو الشخصي أو المؤسسي، أصبح بغيضا ومحاربا اليوم، لأنه أثبت رداءة مخرجاته المهنية، وكذلك الصعود لسلالم الترقيات الوظيفية والإدارية للحصول على المكسب المعنوي من أجل التملق المجتمعي وجذب الإعجاب أو التفاخر بالمناصب أصبح العدو الأول للمنظمات بعد أن أدركت الخلل الواضح والجلي الذي خلفه على النمو الصناعي والمؤسسي فالحضاري، وبعد عقود من تخبط الإنسان لأجل الصعود والتطور وبين مشاكل وأزمات البيئة المعيقة ومحاولات التخطيط والنمو وحلول الابتكار الصناعي لخلق بيئات داعمة لذلك التطور المنشود، أدرك الإنسان المعاصر أن الخلل والمشكلة العظمى للتطور ليس في بيئته الخارجية بل داخل إنسانيته نفسها.

حيث نظر فوق رأسه وأسهب في تأمل السماء قبل أن يتأمل قدميه ومطرحها من أرضه وقطف أحلامه النيئة وأرسلها لكواكب ومجرات أخرى قبل أن يرى بذرته أو ينمي شخصه ويتعرف على خيرات أرضه.

لقد بحث عن النجاح وطرق أبواب السماء قبل أن يطرق أبواب موهبته الداخلية ويكتشفها، جمع المعادن وصنع مواد للبناء، قبل أن يجمع خام شخصيته وأدواتها المترسبة في بئر مواهبه، فبنى صروحا وناطحات سحب قبل أن يبني مهاراته، فخارت وسقطت صروحه وقتل الإنسانية بجهله بنفسه، وهذا ما أدركه أصحاب التجربة وأولو العلم والحكمة من القيادات بشتى مجالاتها، وفعلت إستراتيجيات وأعادت صياغة رؤاها وأكثر من ذلك وجهت جميع المنظمات العلمية والمجتمعية منها والمهنية والإدارية أيضاً؛ لإعادة صياغة قيم الإنسان ومساعدته لإيجاد قيمته الحقيقية، التي هي أداة التطور وبيئته المثالية وسلاحه المبتكر لتطور ونهضة إنسانيته ومجتمعاته.

لذلك يجد المحلل والمقارن تغييرات كبيرة في مناهج التعليم ودمج مناهج علم سيكولوجيا الموهبة ومواد تنمية التفكير وتحديث أدوات القياس والاختبارات للمواهب والقدرات والكفاءات وتطويرها وتحديثها كل عام عن سابقها، وكلها تصب في سبيل النجاة من تردي الإنسان واضمحلال مواهبة فعملت كلها كغربال ومصفاة لتنقية الإنسان في نفسه من معتقدات وقيم نجاحات الماضي، ومساعدته لإيجاد أدوات التطور وبناء القيم الصحيحة الموجهة لمواهبه وقدراته الكامنة وصقلها بالمهارات اللازمة.

فعليك أن تدرك أيها الإنسان أهميتك فأنت القيمة العلمية والمادية والمعنوية وسبب إنتاج كل قيمة سجلها التاريخ لحضارات هذه الأرض وأنت الخليفة والقوة الموجهة لكل قوى الطبيعة والكون بما وهبك وحباك الله به من قوى عميقة، تحتاج منك النظر والتأمل أولا ثم الإبحار للبحث العميق، والتدريب الموجه لصقل مواهبك الكامنة وإيجاد بيئة داخلية داعمة بشتى المهارات الحياتية وبيئة خارجية محفزة ومشجعة للظهور والإبداع والتألق.

رسالتي الأخيرة لك: كن مجدا وجادا في إيجاد موهبتك وصقل مهاراتك فهي ثروتك وسبب كل ثراء معنوي ومادي، وهي الابتكار والإبداع المتألق الذي يشكل قيمتك وقيم جيل قادم فالـ2030 تأهب وكن في مهب الإبداع والتفوق.