ما زال مفهوم «الجهاد» غير واضح تمام الوضوح في أذهان الكثيرين من المسلمين ومن غيرهم؛ إذ يظنون أن «الجهاد» يعني «القتال»، على الرغم من أن معنى المفردة في الكتاب العظيم والسنة المطهرة أعم من ذلك، وأنها تعني «بذل الجهد في مقاومة المعتدي»، بغض النظر عن كونه من الإنس أو من الشياطين، أو حتى من داخل نفس الإنسان. وفي الحديث: «المجاهد من جاهد نفسه»، كما أخرجه الإمامان الترمذي وأحمد وغيرهما.

صحيح أن كلمة «الجهاد» استعملت في الغالب على القتال في سبيل الله، وهذا لا يعني الغفلة عن أن مشروعيته مرتبطة بغايات نبيلة، ومشروطة بأن تكون من أجل أن تكون «كلمة الله هي العليا»، وليس من أجل التوسع أو قهر الناس أو إذلالهم، وغير ذلك من أغراض خسيسة، تجعله عملا مرفوضا شرعا وعقلا، لكن هناك فرقا كبيرا ودقيقا بين كلمة «القتل» و«القتال»، فالثانية هي «الجهاد»، وهو ما يؤكد أن «الجهاد» ليس أمرا بالقتل، بل هو أمر بالمقاتلة، أي بالتصدي للمقاتل، ورد عداوته، ووقف اعتدائه، وهو ما يطلق عليه «وزارة الحربية» أو «وزارة الدفاع»، وأي تشويه لمصطلح «الجهاد» بهذا المعنى عبث متعمد.

صحيح أيضا أن «الجهاد» فريضة، ولكن ليس كل جهاد فريضة؛ فجهاد القلب واللسان والمال هو الفريضة، ويكون بما يتناسب مع حال الإنسان وظروفه. أما «الجهاد» بمعنى «القتال»، فهو فرض كفائي، يقوم به جنود القوات المسلحة والجيش، ولا يكون فريضة شخصية إلا لو احتاج الجيش للمساعدة. أما لو فاجأ عدو البلاد والعباد، واحتاج ولي الأمر للمساعدة، فالأمر مختلف، إذ يقول الحق سبحانه وتعالى، في الآية 190 من سورة البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وهو نص صريح في أن الجهاد للدفاع وليس للهجوم، وفي حدود العدل، لا غير.

تاريخيا، معلوم أن ثلاثة عشر عاما قضاها سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة المكرمة، بما في تلك المرحلة من تحمل للأذى والظلم، ومع ذلك لم يقاتل، ولم يأذن لصحابته بالمقاتلة، واستمر الأمر كذلك إلى أن صدر الإذن الرباني بذلك في سورة الحج، في السنة الثانية بعد الهجرة المباركة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز}. وفي الآية الثانية هنا ملحظ مهم، نبهنا إليه الإمام الفخر الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب»، عن إمام المفسرين سيدنا ابن عباس، رضي الله عنهما، أن من معاني الدفع المذكور في الآية أن الله «يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة». وفي هذا الملحظ في هذا التفسير نفسه لمحة مهمة تجعل أهل الأديان السماوية «جبهة دينية» موَّحدة، لمواجهة غيرهم من اللا دينيين، وإلا، كما يقول الإمام الرازي: «لاستولى أهلُ الشرك على أهل الأديان، وعطّلوا ما يبنونه من مواضع العبادة، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين، ليتفرغ أهلُ الدين للعبادة وبناء البيوت لها، ولهذا المعنى ذكَرَ الصوامعَ والبِـيَعَ والصلواتِ وإن كانت لغير أهل الإسلام»، ومنه نعلم أن العدوان هو سبب القتال، وليس اختلاف الأديان.