في وقت تضرب العالم بالفترة الحالية أزمة نتيجة مشاكل سلاسل الإمداد، أكد مختصون أن سلاسل الإمداد العالمية عرضة للصدمات من الحروب التجارية وتفشي الأوبئة إلى انعدام الاستقرار السياسي والأمني، مما يعيق تدفق البضائع من البلدان المُصدِرة إلى شركائها من البلدان المُستوردة، مرجعين الأزمة الحالية لارتفاع تكلفة الشحن، ولافتين إلى تأثر قطاع الشحن البحري الذي يمثل نحو 90% من أنشطة التجارة العالمية، المقدرة بنحو 12 تريليون دولار، بـ«جائحة كورونا».

أزمة شحن

أكد الباحث في إدارة سلاسل الإمداد عضو مؤسس في جمعية سلاسل الإمداد والمشتريات في السعودية، المهندس عمار العبود، لـ«الوطن» أن منظمة التجارة العالمية (WTO) قدرت أن التجارة العالمية انخفضت بما يقارب 5.35% في 2020. وأوضح أن اضطراب سلاسل الإمداد الناجم عن «جائحة كورونا» أدى إلى أزمة شحن عالمية، حيث ارتفعت تكلفة الشحن بشكل كبير، وذلك يعود بشكل أساسي إلى نقص الحاويات، الذي كان أحد الضغوط التي أدت إلى تصاعد تكاليف الشحن إلى أكثر من 4 أضعاف عما كانت عليه في المعدل الطبيعي، مما أفضى إلى التأثير على استقرار الشركات التي تعتمد على خطوط الشحن الملاحية.

مصنع العالم الأكبر

أبان «العبود» أن الدور المهيمن للصين، بصفتها «مصنع العالم الأكبر»، يعني بالضرورة أن أي اضطراب كبير فيها يعرض سلاسل الإمداد العالمية للخطر، إذ تنتج الصين ما يقرب من 20% من المنتجات الوسيطة العالمية التي تدخل في تصنيع المنتجات النهائية، وهذا له تأثير على الشركات المصنعة الأجنبية التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على مدخلات التصنيع الصينية، مستشهدا في ذلك بأنه بين 2018 و2019 كان أكثر من 65% من المنتجات الصيدلانية النشطة المصدرة إلى الهند من الصين، ونتيجة «جائحة كورونا» عانت الهند تأخر الإمدادات الصينية، وبالتالي أدى ذلك إلى خلق اضطرابات في إنتاج وتوزيع منتجاتها الصيدلانية.

3 حاويات

قال «العبود»: ارتفع سعر حاوية الأربعين المتجهة من آسيا إلى شمال أوروبا من 2000 دولار إلى 9000 دولار، بينما تكلفة البضائع المنقولة من آسيا إلى الساحل الغربي لأمريكا ارتفعت 145%، مما تسبب في اختلال التوازن بالتجارة العالمية، والذي تفاقم نتيجة «جائحة كورونا»، ومع تعافي الاقتصاد الصيني بمعدل سريع، وارتفاع الطلب على المنتجات، فمن المتوقع أن يستمر نقص الحاويات وارتفاع أسعار الشحن خلال النصف الأول من 2021. وأوضح: منذ يوليو من العام الماضي، أدى الطلب على المعدات الطبية ولوازم المكاتب المنزلية ومعدات الكمبيوتر إلى إجبار سلاسل الإمداد على استيراد العديد من المنتجات والمواد من الصين، لتلبية احتياجات المستهلكين، وتزامن ذلك مع انتعاش البلاد بعد أشهر من توقف التجارة، مما أدى ذلك إلى الإخلال بمعادلة التوازن التجاري، إذ يتم تصدير ما يقرب من 3 حاويات مقابلة حاوية واحدة مستوردة.

شحنات قيد الانتظار

ذكر «العبود» أن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 170 مليون حاوية شحن في جميع أنحاء العالم تُستخدم في نقل نحو 90% من البضائع. ومع ذلك، ألّقت «جائحة كورونا» بظلالها على خطوط الشحن العالمية، تاركةً عددا هائلا من الشحنات قيد الانتظار، وتكدس البضائع في الموانى، لنقص الأيدي العاملة، وبذلك انخفضت الإنتاجية في الأنظمة اللوجستية. هذا يعني أن الصين ليس لديها ما يكفي من الحاويات المتاحة لتلبية الطلب، ومع تراكم المنتجات في المصانع الصينية، وعروض الأسعار المرتفعة للحاويات، فإن معدل دوران الحاوية قد تصاعد إلى 100 يوم بدلا من الـ60 يوما السابقة.

بدائل للمكونات

أفاد «العبود» بأنه قد تكون من الدروس المستفادة من «جائحة كورونا» أن تسعى الشركات للبحث عن بدائل للمكونات التي يصعب الوصول إليها، لاستخدامها في تصنيع منتجاتها، أو إعادة تصميم المنتجات بالكامل، لتشمل المزيد من المكونات المتاحة بسهولة، مما يسهم في تقليل التعرض للوقوع في فخ عدم التوافر، وبالتالي عدم الجاهزية لتلبية متطلبات السوق أو قبول الاستسلام لفكرة «اختلاق الأعذار» نتيجة المهل الزمنية غير المتوقعة. وعليه، فإنه لا بد من التأكد من تحديد المخاطر بشكل كامل، وهنالك ضرورة ملحة إلى سلاسل إمداد أقصر، وأن تكون محلية بشكل أكبر. كذلك يُقترح أن يكون هنالك المزيد من نقل العمليات التجارية البعيدة إلى مكان أقرب للبلد المستورد أو إعادتها إلى الوطن المستهدف إذا كان ذلك متاحا.

أسعار المواد الخام

أشار رئيس إحدى اللجان القطاعية في غرفة الأحساء، عبدالعزيز العفالق، لـ«الوطن» إلى أن هناك تأثيرات كبيرة لسلاسل الإمداد بسبب «كورونا»، واستمرت إلى وقتنا الحالي في رفع أسعار المواد الخام والاستيراد والشحن، موضحا أن أسعار الشحن للحاويات من الصين تضاعفت من 2000 دولار أمريكي إلى 12 ألف دولار (زيادة 600%)، وأن الصين هي الدولة الأولى عالميا التي أعلنت التعافي من «كورونا»، وكانت البضائع الصينية هي التي تُصدر إلى جميع دول العالم. وأضاف «العفالق»: من العقبات أيضا إعادة الحاويات في رحلة الإياب إلى الصين «فارغة الحمولة»، فقبل «كورونا» كانت جميع الحاويات تعود محملة وليست فارغة، لكن الآن الأمر تطلب من الصين استئجار الحاويات، لإعادتها فارغة إلى الصين، مؤكدا أن السوق العالمي فارغ تماما من الحاويات، باستثناء دولة الصين.

مصانع الشرائح

أوضح «العفالق» أن مصانع الشرائح الإلكترونية في فترة «كورونا» «متوقفة»، بينما ارتفع حجم الطلب على الشرائح الإلكترونية في الحاسبات الآلية بسبب التعليم الإلكتروني، ومن المتوقع أن يتسبب ذلك أيضا في تأخير استكمال تصنيع أكثر من 500 ألف سيارة في السوق إلى 2023 بسبب نقص الشرائح الإلكترونية المشغلة للسيارات (الكمبيوتر)، لافتا إلى أن سعر ثلاجة «صينية» قبل «كورونا» كان 1700 ريال، وفي الوقت الحالي سعر شحن الثلاجة يعادل قيمتها(1700 ريال)، وبالتالي سعرها الحالي في السعودية لا يقل عن 3400 ريال، ويصعب تفكيك الثلاجة إلى قطع صغيرة وتجميعها محليا، وبالتالي حجم الثلاجة داخل الحاوية «كبير نوعا ما»، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار استيراد الزبدة الأوروبية إلى 40%، لزيادة تكلفة الشحن، وكذلك حليب البودرة.

حركة الحاويات عالميا

170 مليون حاوية شحن في جميع أنحاء العالم

تُستخدم في نقل 90% من البضائع

معدل دوران الحاوية تصاعد إلى 100 يوم بدلا من 60 يوما قبل «أزمة كورونا»