عصر الجمعة قبل الماضية تهاتفت مع العم عبدالمجيد السليماني، وأوصاني على تعليم الابن مالك، والعمل على ابتعاثه، ولم يخف اشتياقه لجلسة العلم التي اعتادها، وسببت ظروف الجائحة أن تكون «عن بعد»، وبعد سويعات قليلة، وأنا في وسط مناسبة خاصة، فوجئت باتصالات متكررة من هاتفه، ثم من رقم غريب، فأجلت الأول، وأجبت الثاني، وإذا هي كريمته تقول: «مات حبيبك عبدالمجيد.. شاب متهور، صدمه وهو على عربته الكهربائية، أمام الممشى، الذي أمام الدار»..

ليس هينًا، أن أعرف رجلا بقامة فقيدي الراحل؛ وطيلة 24 سنة، ثم أفقده فجأة، ودون مقدمات.. شيخ مبارك، لا يمكن أن تخطئ العيون رؤية لحيته الكثاء البيضاء، ولا أن تخطئ الآذان سماع صوته الجهْوري المميز؛ يحب العلم، ويحب طلبته، ولا يكاد يترك محلًا فيه علم، إلا ويتواجد فيه، حتى لقبناه بـ «حمامة مجالس العلم»..

المرحوم، العم عبدالمجيد، ولد ونشأ في الطائف، وعمل في بداية حياته «معلم نجار»، في قصور جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، والملك سعود، رحمهما الله، ولما توظف في قسم الإنشاء والتعمير، في «مصلحة الطيران المدني»، استقر بجدة، وكان مرجعًا لأصحابه في العادات والأعراف، خصوصًا التي عفا عليها الزمن، ورزقه الله قلبًا رحيمًا، مع شدة في محلها، خصوصًا مع المتأخرين عن الواجبات، والمقصرين في الآداب، ولا يستوعب غيره منه هذه «المرجلة»، إلا بعد انقضاء الزمن.

من أجمل شمائل العم عبدالمجيد، أنه لا يستسلم لشيء، ويحب الاعتماد على نفسه، كقيادته سيارته بنفسه، وشراء «مقاضيه»، رغم وجود من يخدمه من أولاده ومحبيه.. يهوى الإنفاق، ويحمل نفسًا سخية، ومن علامته وعلاماتها إهداؤه «مسابح»، لمن يراهم، مع وصية اتخاذها مساعدة في ذكر الله، أثناء التواجد بالمحلات، وداخل البيوت، وحيث الأمن من الرياء؛ وقد ترك مجموعة منها عند أولاده، وأوصاهم أن يهدوها لمحبيه بعد موته، وقد فعلوا، ومن مكارمه الملحوظة الوقوف مع أحبابه، ودعمهم في مناسباتهم السعيدة وغيرها، وإكرامه لهم، وحبه للكرماء، ودعائه الشهير لهم: «خلف الله عليك يا راعي الدار»..

سأفتقد كثيرًا الحبيب العم عبدالمجيد، الذي كانت له عبارة ودعوة لا يتركها، وهي: «يا رب اجعلها كسرة عود، ولا تجعلها طفية مسرجة»، وعندما أسأله عن معناها يجيب بدعوة أخرى: «اللهم لا تثقل بي أرضًا، ولا تتعب بي خلقًا.. الله يحسن لي ولك الختام»، ولا أظن إلا أنها صادفت يومًا ساعة قبول، وحققها له الحق، سبحانه وتعالى، إذ انقضى عمره المديد «92» سنة، وهو صائم، وضمن مجموعة «الشهداء» بأمر الله، كمثل المفارق بهدم أو غرق، والله كريم قادر، ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه قال فيما رواه الإمامان الترمذي والنسائي: «من شاب شيبة في سبيل الله؛ كانت له نورًا يوم القيامة»، ولما سأله رجل: يا رسول الله، أي الناس خير؟، قال: «من طال عمره، وحسن عمله» والحديث رواه الإمام الترمذي وغيره..

رحل المبارك الشيخ عبدالمجيد السليماني، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في نفسي، ونفوس الكثيرين، والدعاء موصول بأن يجزيه الله خيرًا، ويغفر له، ويرحمه، ويكرم وفادته، ويبدله بدار خير من داره، وأهل وأصحاب خير من أهله وأصحابه، ويخلفه في بناته الكريمات الثمانية، رعاهن الله، ويبارك في أبنائه منصور وعصام وهشام وناصر، ويجعلهم من البارين، ويعظم أجر شقيقه العم معتوق، ويعوضنا خيرًا، ويحيي الوفاء لأمثال هذه القامات.