دلت الأدلة الشرعية على أن القلوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وأن الفتن تعرض على هذه القلوب، فناج مُسَلَّم، ومخدوش هالك، وقد فصل ذلك ابن القيم رحمه الله، وخلاصته كما يلي:

أولا: القلب المريض: وهو إما مرض شبهة كما يدل عليه قوله تعالى (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) وهو مرض الشك والشبهات في الدين، وإما مرض شهوة كما يدل عليه قوله تعالى (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) وهو مرض شهوة الزنا ومقدماته، أو هما معًا.

وهذا القلب المريض له حياة، وبه علة، ففيه إيمان بالله تعالى، وفيه أيضًا ميل للمحرمات والشهوات والحسد والعجب وحب الاستعلاء على الخلق، وهو مُمْتَحَنٌ بين داعيين، داع يدعوه إلى الهدى، وداع يدعوه إلى الهوى، وهو إنما يجيب أقربهما منه بابًا وجوارًا.

ثانيًا: القلب الميت: وهو قلبٌ لا حياة فيه، بل هو متبع لشهواته المحرمة شرعًا، ولا يبالي بسخط الله وغضبه، فغايته وسروره أن يظفر بفعل شهواته، رضي ربه أم سخط، لا يهتم لذلك، فهو متعبد لهواه حبًا وخوفًا ورضًا وسخطًا، يزعم أنه حر، والواقع أنه عبد لنفسه وشهواته، هرب من الرق الذي خُلق له، وهو عبودية الله، فبُلي برق النفس والشيطان، فصار عبدًا لهواه وشهواته، وهو لجهله يزعم الحرية.

ثالثًا: القلب السليم: وهو السالم من كل شبهة تعارض خبر الله، ومن كل شهوة تعارض أمر الله ونهيه.

وهذا القلب هو الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، يدل على ذلك قوله تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم).

وهذا القلب السليم - جعلنا الله وإياكم من أهله- ليس بينه وبين قبول الحق سوى إدراكه، فهو صحيح الإدراك للحق، تام الانقياد، والقبول له، وأما القلب الميت: فلا يقبله ولا ينقاد له، والقلب المريض: إن غلب عليه مرضه التحق بالميت، وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم، فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ، وفي القلوب من الشبه والشكوك فتنة لهذين القلبين، وقوة للقلب الحي السليم، لأنه يَرُد ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق في خلافه، فيُخْبت للحق، ويطمئن وينقاد، ولا تضره شُبه الشيطان وجنوده أبدًا.

وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم عرض الفتن على القلوب بعرض عيدان الحصير، التي تتراكم شيئًا فشيئًا، فتنقسم إلى قسمين، قسم يتشرب مضلات الفتن كما تتشرب الإسفنجة الماء، فلايزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يكون «كالكوز مُجخِّيا» أي: منكوسًا، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه، وقسم أبيض، قد سلم من شبهات الباطل، وشهوات الغي، فلا تضره فتنة أبدًا.

والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تُعْرَضُ الفتن على القلوب؛ كعرض الحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًّا؛ كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هواه).

فإن قيل ماأسباب استقامة القلب وثباته ؟

فالجواب مايلي:

أولا: الاستجابة لله ورسوله، قال تعالى

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِه) ولاحظ أن الآية ذكرت أن الله يحول بين المرء وقلبه بعد الأمر بالاستجابة لله والرسول، ومعنى هذا أن من لم يستجب لله والرسول يعاقب بأن يُحال بينه وبين قلبه.

ثانيًا: كثرة الدعاء والإلحاح على الله بالثبات على الدين، وفعل ما يعظنا الله به ورسولُه قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا).

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ أن يقول: «يا مُقلِّبَ القلوب! ثبِّت قلبي على دينِك». فقلتُ: يا نبيَّ الله! آمنَّا بك وبما جئتَ به، هل تخافُ علينا؟ قال: «نعم، إن القلوبَ بين أُصبعين من أصابِع الله يُقلِّبُها كيف يشاء» أخرجه أحمد والترمذي.

فالإنسان لايثق بحوله ولا بقوته، بل يلجأ إلا الله دائما، ولهذا كان سؤال الله الهداية (اهدنا الصراط المستقيم) فرضٌ في كل صلاة بل في كل ركعة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا تثبيت الله له لكاد أن يركن إلى أهل الباطل، كما في قوله تعالى(وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا) فما بالك بغيره؟

فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد سواك.