وانتهى عرسنا الثقافي، ممثلا بمعرض الرياض للكتاب، الذي اختار شعارا له.. «وجهة جديدة وفصل جديد» كان المعرض في تفاصيله ويومياته، جديدا في جديد فلسفة وتنوعا وأداء.. ورحلتنا مع الكتاب اكتنفها الجمال من كل اتجاه، حيث لا عجب فنحن أمة اقرأ، وكل شيء فينا يحب الكتاب، قراءة وتأليفا، وسماعا وحوارا، لذلك كان المعرض فرصة لتقديم ثقافتنا في ثوب عصري متألق، يسمح بالتنوع والتعددية، ويفيض بالموروث والحداثة، ويقدم المثقف السعودي في أجمل صورة..

ويسمح للثقافات المتباينة بالالتقاء، والجلوس على منصة واحدة، والاستماع لبعضها البعض، والحوار برقي عن الأفكار والتوجهات، وسماع النقد بأريحية وإيجابية، لأجل قطف الثمار اليانعة مستقبلا..

أكثر من ألف دار نشر صافحتنا بإصداراتها، عبر منتج ثقافي لافت للنظر والعقل، في كثير من عطاءاته وتوجهاته، غير ذلك احتفى معرض الكتاب بصناعة الأفلام وعروض المسرحيات، والموسيقى العالمية، والأزياء، والطهي، وما يهم ويحتاجه الأطفال، من خلال لقاءات وورش عمل جاذبة وممتعة، للصغار والكبار معا..

المعرض في نسخته الجديدة تعددت اتجاهاته، فلم يعد حكرا على أسماء معينة تكررت علينا كل عام، بل سمح بأسماء جديدة، وقدمها لنا في أجمل صورة، وجيل الشباب يحتاج للفرصة ويحتاج للمنصات الرسمية، لينطلق من خلالها..

ولأننا فريق واحد والمعرض يهمنا جميعا، ونحرص أن يكون الأبهى والأزهى دائما، أورد بعض الملاحظات التي أقدمها بقلب المحب، لعالم معارض الكتب وما تحمله من مكتسبات وخيرات متعددة..

بعض دور النشر البارزة وذات الصيت الثقافي المبهر، ظلمها المكان الذي وضعت فيه، وجعل الوصول إليه يلزمه عارف ومطلع لها، لأن الزائر العادي لا يراها بسهولة، فليت إدارة المعرض مستقبلا تنتبه لذلك، وتنزل دور النشر العريقة منازلها، وتمنحها ما تستحق من مكانة وحفاوة.

دور الجامعات والمؤسسات التعليمية شبه مغيب، ووجود بعضهم انتابته الرسمية والرتابة، وكانت فرصة لكل جامعة لتقديم منتجها الثقافي ومنسوبيها المثقفين، من خلال تقديم مؤلفاتهم أو منصات للحوار معهم حول الفكر والمعرفة، بالإضافة إلى أني تمنيت لو نسقت الوزارة مع الجامعات، في زيارة بعض من ضيوف المعرض للجامعات، واللقاء مع الطلاب والطالبات، لتعم الفائدة وتتم الاستفادة القصوى من الضيوف.

كان المعرض فرصة سانحة لهيئة النقل أن تقدم نفسها من خلاله، عبر تسييرها لرحلات من عدد من الأماكن بالرياض، من الـ 9 ص حتى الـ 12 ليلا، لكي يخف الزحام على مواقف المعرض، ويرتاح الزائر من عناء المشوار.. فمن الظلم أن نخسر فرصة الوصول للمعرض، بسبب زحام أو عدم وجود موقف، أو جلوسنا لأكثر من ساعة ونحن في الطريق.. وتمنيت لو تعاونت الخطوط الجوية والقطارات، في تقديم عروض للسفر أيام المعرض بأسعار رمزية، تشجيعا للثقافة والمهتمين بها..

مما لاحظته وتحدث معي فيه كثيرون، هو ازدحام برنامج المعرض في اليوم الواحد، وتعدد الفعاليات التي لا تسمح بحضورها جميعا، وتمنيت لو كانت هناك قناة تلفزيونية خاصة بالمعرض، على اليوتيوب مثلا، تساعدنا على سماع ومشاهدة بعض الفعاليات، التي لم يتسن لنا التسجيل فيها أو حضورها لأي سبب.. شيء آخر، عدم التنسيق في حضور بعض الشخصيات الاعتبارية والنجوم في الساحة، مما تسبب في زحام شديد لوجودهم معا في وقت واحد..

أيام عز الصحافة الورقية، كانت التغطيات للمعرض أكثر جاذبية، والتفاعلات مع الأحداث وخلق أجواء ثقافية مادة دسمة في كل يوم، الآن مع الإعلام الجديد، الأمور متجهة للإعلان والدعاية أكثر من أي شيء آخر.

أمر آخر، منصات التوقيع، لا بد أن يتغير مكانها وتصبح في واجهة المعرض، لأن كل مؤلف وكل كتاب، حري أن يحتفى به أمام الكل، ولكي نتعرف عليهم من قرب، مع أني من مؤيدي توقيع المؤلف لكتابه في دار النشر الخاصة به، لكي تكون التفاعلات حينها أكثر وأجمل.

وحبذا لو كان هناك مدخل خاص للكتاب يدخلون منه يوم توقيعهم، بدل أن يؤخرهم الزحام الشديد عند الدخول.

وأخيرا.. شهادة حق لا بد أن نعلنها للجميع بفرح، أن معرض هذا العام شهد فعاليات مبتكرة، وكان المشرفون عليه والعاملون فيه، من البوابات حتى آخر نقطة بالمعرض، يسخرون كل شيء لأجلنا بابتسامة لبقة وأسلوب راقٍ وتفاعل جم، وكانت التقنية داعما كبيرا لنا، سهل الوصول للكتب والناشرين في أسرع وقت، بالإضافة لتوفر أماكن مهيأة للجلوس والحديث مع المثقفين والمهتمين والأصدقاء.

أثبت المعرض لهذا العام، أننا نعيش تحولات ولا أجمل، وننظر لبعضنا بحب واحترام، يعكس مدى سماحتنا وحبنا للآخر وللحياة.. نلتقي في ديسمبر في جدة، وأكتوبر القادم لنا عرس جديد بالرياض.