في ثقافة الفلسفة المادية التي تبني أسس فكرها ومنهجها، على أيديولوجية الوجود والربط بينها وبين الطبيعة كأُسِّ في أعلى البسط بالمعنى الرياضي، حيث لا تفتأ أن تقصي الإنسان تجرداً وتخلصاً، بخضوع تام لتلك الممارسات التي تعكس عليه ضوء الطبيعة فتشرق معها إنسانيته.

وما عدا ذلك يبقى محايداً ومدقعاً خاضعاً للقوانين التي تنأى بالفكر والعقل والروح، إلى التبعية المادية الطبيعية دون إعمالٍ للتفضل الإلهي الذي أنُعم به على الإنسان منذ خلقه، وإسجاد الملائكة الكرام له تفضيلاً لمكانته وإحساناً من الله تعالى إليه «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا».

إن إسباغ الفكرة المادية فلسفياً تدور وجوداً وعدماً مع وجود الإنسان، ومساواته بغيره من المخلوقات الطبيعية وتقييد عقله ونهجه وفكره، تسليماً لما يمكن أن يكون بالطبيعة، لا إيماناً بقضاءٍ وقدر روحيّ ويقين معنوي، ليس إلا إكراهاً على حتمية الانصياع لتلك القوانين والأفكار التراجيدية، التي تبني أسوارها من طين الكآبة، وتقيد فكرها بأبجديات الجهالة المنطفئة شموعها، بنفثات ابن تيمية في رؤيته عن الوجود خالقاً ومخلوقاً وواقعاً غيبياً ومشهوداً فأصّل المسألة وأرسل صواعقه المشهودة في تاريخه وتراثه المبهر، في الردود لتبيان الحقيقة بين الوجود والعدم وبنظرية الإفحام الفلسفي غير المسؤوم.

ومع تجدد الزمن تختفي المعاني وتظهر الأفعال التي تؤسس ذات النظرية العقيمة، التي تتأتى في انصراف البعض من الناس في هذه الأيام، إلى التسليم بنظريات عائمة ومضللة أشبه ما تكون بالتسليم للماديات، مع اختلاف مسمياتها دون تفحّص لها ومدى توافقها مع النظرية الدينية الإسلامية فتحط بهم في تبني الخرافات المصطنعة للتسطيح الفكري، في إبعاد الإنسان عن ربه وتعلقه به، كما هو التعلق بالتخاطر والجذب والروحانيات الباطلة المستنبتة مع أفكار عصرية، قد تتغير مسمياتها إلى أسماء غريبة، كالعلاج بالطاقة الروحية والتقرب من الطبيعة تلاصقاً حميمياًً، فتختزل فكر الإنسان البسيط وتنتقص من معتقده ضمنياً فيضل ضلالاً بعيداً.

إن التسليم بكل الماديات ما هو إلا تنكر صارخ للغيبيات الوارد تفسيرها في مطلع سورة البقرة، لأن الإفراط في الشك الفلسفي مغبّةُ مظلمةُ تغرق من ركب موجها.

وبالاعتياد على هجرة الأرواح إلى السماء ذهاباً وإياباً صبحاً ومساءً، والاستعانة بالخالق فإن تلك الممارسة لا تجعل أبواب السماء مُشرعةً، حين ترحل الروح إلى عالمها الأخير ولا تُبقي للماديات أثرا مع قوة الله والإيمان بالغيب اليقيني. ولا تُنسى تلك الأرواح المعلقة في قناديل السماء رحيلاً على جسر الآخرة، وتبقى غيرها عالقة في براثن الزيغ و حسكة الشك حتى تحين اللحظة الحاسمة، التي تكشف معها أول الحقائق «لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ»، وكما في الحديث الذي رواه البراء ابن عازب عن خروج الروح قال: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَلَأٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ. انتهت النظرية المادية والاستنتاجات غير اليقينية، وبقي المؤمنون يأرزون إلى الهدى كما قال تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».

لاشك بأن العقل والفكر الإنساني في قالب الإيمان الخالص لله، نموذج يصعب تفسيره في قاموس معاني الفلسفة المادية الشكّية، وبالتالي فالإنسان ليس انعكاساً لتلك القوانين مسطحة الفكر، التي آثرت النقش في الماء بنقدها الفلسفي والمنطقي الثائر على الحقيقة الصحيحة والمنهجية الربانية، المُقنِعة بالدليل والمتوّجة بالوحي والمختومة بالرسالة المحمدية.