لطالما انتابني الفضول حول أولئك الذين تقرأ في طيّات أبياتهم الحرص بعد الفراق، فتجدهم يشعّون وفاءً وصدقًا، وكأن الحبيب تحوّل من شريكِ حياةٍ إلى أمانةٍ يرعاها، يخشى عليها من غدرِ الأيامِ، فهل هذا حُب لم يكتمل احتراقه بعد؟ أم أن وشائج الانتماء تأبى فهم لغة الرحيلِ، وأن الوداع قد حان حينه؟.

يُعرّف الارتباط العاطفي في علم النفس بأنه: «نظام أمان مُتبادل»، لكن في الفراق، يتولّد «الفراغ القلق»، حيث يُصبح الآخر هو الأهم، والأقرب فيُخشى عليه من متاعب الدُنيا وقسوة العالم.

ومن الشعراء من عاش الفراق وآلامه قبل وقوعها، ليس هذا من داعِ التشاؤم بل من فائض الحب، ليتحول إلى مخاوف وجودية، فيصف الشاعر هذا الامتزاج القاتم بين الغياب والحضور، فعلى سبيل المثال حين عاش هذا الشاعر وجع الغياب قبل حصوله، فزرعه في أحلامه القديمة ألغامًا، يتجرعها بعد الفراق الفعلي، فقال الشاعر حين ودعها في أحلامه:


ورأيتُ حلمًا أنني ودَّعْتُهم فبكيتُ مِن ألم الحنين وهُم معي

‏ مُرٌ عليَّ بأن أُودّعَ زائرًا كيفَ الذين حملتُهُم في أضلُعي

وحينما شعر، محمد بن فطيس، بمثل ما شعر به محمد المقرن، قال:

إن شفتني ضايق واهوجس واسبّه اخاف غدر الوقت والوقت دورات

لا تحسب أن دمعي نزل دون سبّه أبكي من الفرقا وهي ما بعد جات

فإن وصف الفصيح ثقل الأضلع، وصف لنا البدويّ: هدر العاطفة وثقلها، خشية غدر الوقت والوقت غدّار، والهاجس في علم النفس السلوكي في هذه القصيدة آلية دفاعية بائت بالفشل، فالمحب توقع الألم ليُخفف من وطأته، حين يحل ضيفًا غير مرغوب به، فالدمع المتهاطل يراه العابرون دون سبب، لكن لا علم لهم بأنه نابع من ألف شعور يعرفه المحب في دورات الزمن وتقلباته.

وحين يحل هذا الضيف ثقيل الوطأة، برز الشاعر فهد الربوض، وكأنه مقاتل ألقى أغلى سيوفه أرضاً، ليس كرهاً بل خشية عليها، فبعد أن أدرك أن الفراق واقع لا محاله، نشأ في جوفه الخشية على قدر الحبيب، لا يطلب العودة، إنما الرفعة للحبيب حتى في غيابه، فصاغها الشاعر وصيةً باذخة الكبرياء:

وليـــــــا نويتــــي عقــب حبـــي تحبين أمانتك حبّــي الشجــاع السنــافي

على الأقل يوم أخسرك من حمر عين أهون علي من أخسرك عند هافي

في الأبيات الأخيرة نلمح حالة تحوّل في العاطفة كبير، فبعد أن يأس الشاعر من الحصول عليها، حوّلها إلى حالة من السمو والرفعة، فلا ضغينة ولا حقد، وكأنها نقلها لشيء لا يشبه إلا الأبوّة العاطفية، فإن لم يحصل عليها، يكفيه منها أن تكون بخير، وكأنه خلق حالة من الإيثار التي لا تشبه إلا الصلاة الصامتة، فالسعادة للحبيب هي المُنى، وكل ما يريد، ولعل هذا الأصدق في الحب، أن تتمنى لأحدهم الخير وهو في ركنه بعيد المنال عنك.

تتشابه القصص، لكن لكل منا طريقته في التعبير، أحدهم يوثقها بالجميل، والآخر بالأجمل، فبين ما مضى وما هو آتٍ، نعرف يقينًا أن الخشية بعد الفراق ليست ضعفًا، بل ضريبة انعقاد الأرواح، فلا نفقدهم بمجرد رحيلهم، بل نستعيده على هيئة قلق مقدّس، ودعوات في طيات الليل مخبأة، ودمعات تنهمر قبل الفراق وبعده، فالمحب الحقيقي هو الذي يقف الأطلال، لا ليرثي نفسه، بل ليستودعهم رب السماء متضرعًا.

قصة تبدأ صدفة، وتنتهي بأنفة الوفاء، وكأن الحب أمانة، والذكرى حصن، وفي الوداع دعاء لا ينقطع لغائب استعمر الأضلع، واستحل الذاكرة، وشيّد في القلب قصرًا منيفًا.