في مثل هذا الشهر، قبل نحو عامين، كتبت هنا مقالا عنوانه «قطرات الماء أهم من قطرات الدماء»، ولست محتاجا لتكرار ملخصه، فوسائط التقنية تستطيع إبرازه لمن يريد الاطلاع عليه؛ ولما وجدت الأمر مهما وهاما، عدت إليه اليوم، من وجهة نظر أخرى..

الموقع الإلكتروني لمنظمة الأغذية والزراعة، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة ـ الفاوـ أكد قبل مدة، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمياه لعام 2021، على ضرورة رفع الوعي بأزمة المياه العالمية، وأنه وإن كان موضوع يوم المياه العالمي لعام 2021 هو «تثمين المياه»، فإن قيمة المياه لا تقتصر على ثمنها فحسب، حيث إن للمياه قيمة هائلة ومعقدة بالنسبة إلى أسرنا المعيشية وغذائنا وثقافتنا وصحتنا وتعليمنا واقتصادنا وسلامة بيئتنا الطبيعية، وإذا ما أغفلنا أياً من هذه القيم، فإننا نجازف بإساءة إدارة هذا المورد المحدود الذي لا بديل عنه، ولن يكون بالإمكان حماية هذا المورد الحيوي لصالح الجميع من دون فهم شامل للقيمة الحقيقية المتعددة الأبعاد للمياه.. وموقع (اليونسكو)، هو الآخر، أكد أن المياه لبنة أساسية للحياة، وأنها أكثر من مجرد ضرورة لإرواء العطش أو حماية الصحة؛ فهي تخلق فرص عمل وتدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والإنسانية، ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية، 3.6 مليارات نسمة في العالم، أي ما يقارب نصف سكان العالم، يعيشون في مناطق قد تشح فيها المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً، وقد اقتربت فعلاً معدلات الاستهلاك العالمي اليومي من بلوغ الحد الأقصى للقدرة على التحمل، ويخفي هذا التوازن الهش في الحقيقة أوجه تفاوت كبيرة على الصعيدين المحلي والإقليمي..

من المجمع عليه بين كل البشر، أن الماء من أعظم نعم الخالق، سبحانه وتعالى، على خلقه، ومن أجل ارتباط الماء بحياة الناس، جعلت الشريعة ملكية الماء عامة، وقررت مجانية الحصول عليه، وأتاحت لكل البشر الاستفادة منه، ونهت عن تبذيره، كذا عن إفساده بالتلويث المتعمد، أو بغيره.. الحق، سبحانه وتعالى، يقول في الآية 30، من سورة الأنبياء: {أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون}، ويقول- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الإمامان أبو داود وأحمد وغيرهما: «المسلمون شركاء في ثلاث، في الكلأ، والماء، والنار»، وفي رواية «الناس شركاء»، والروايتان تفيدان الإباحة، حيث إن الشراكة العامة تقتضيها، والفقهاء ألقوا المسؤولية الأولى في توفير المياه على كل دولة، إضافة إلى التكفل بكل أو بعض نفقاتها، والمرجو من فقهاء وطلبة العلم مشاركة أصحاب القرار في موضوع التوعية بأهمية المياه، والمشاركة العملية في ذلك، بقدر أكبر من مجرد الغسل والوضوء، الذي يمكن للمعتذر الاستعاضة عنهما بالتيمم، ورحم الله الشيخ محمد أبو زهرة، أحد كبار علماء الشريعة الإسلامية والقانون في القرن العشرين، الذي سأله أحد طلابه النجباء في كلية الحقوق، عن شطبه تدريس «باب الطهارة»، من دروسه الفقهية، فأجابه: «دورات المياه الحديثة تكفلت بهذا الجانب».