المشكلة ليست بهم، ولكنها بالمُستقبِل أو بطرق توصيل أفكارهم، بحيث يجعلون أنفسهم في موضع تهديد للآخر!. أحيانا لا ندرك مدى خطورة تقديم الأفكار أو المداخلات أو حتى النصائح. نعم نسمع عمن يزعمون بأنهم يعملون على توظيف أشخاص أكثر ذكاءً منهم، لكن الواقع يشير إلى أن الكثير من الناس يشعرون بالحرج أو تهديد للذات في كل مرة تُقدَّم فيها فكرة تجعلهم يشعرون بأنهم دون المستوى الفكري لصاحب المقترح أو الحل، وكلما كانت المقترح أفضل كلما شعروا بأنهم أقل شأنا، وبالتالي زاد احتمال إبعاد صاحب المقترح لمصلحة الأشخاص الذين يجعلونهم يشعرون أفضل تجاه أنفسهم!.
يقول أحد الباحثين في علم الإدارة عن كيفية التعامل مع الآخرين، خاصة لمن هم في مراكز قيادية: «يجب على القائد أن يكون أكثر ذكاءً من الشخص العادي في المجموعة، حتى يتمكن من رؤية المشكلات، وتحديد الحلول، وتوضيح كيفية المضي قدمًا بشكل أفضل، ولكن يجب ألا يكون ذكيًا لدرجة أن يتحدث بطرق لا يفهمها الآخرون بحيث لا يتماهون معه"، وأضيف هنا بالنسبة لمن هم ليسوا في مراكز قيادية: وضع أنفسهم في موقع خطر التسريح بسبب أنهم يجعلون المدير أو المسؤول أو القائد يشعر بأنه أقل شأنا على مستوى الذكاء، وهذا الشعور غير المريح سوف يجعله يتجاهل كل ما يقدمه الموظف الذكي، فإن كان ليس بمقدوره تسريحه، سوف يعمل على إقصائه أو تجميده، حتى ييأس ويستقيل أو يتوقف عن المحاولات في المشاركة، ويركز فقط على مهامه!.
لأصحاب المستويات العالية من الذكاء الذين يعانون ذلك في بيئة العمل، إليكم بعض الأفكار التي وجدتها، حتى تتمكنوا من تحسين وضعكم، وبحيث تجعلون أفكاركم قابلة للتطبيق دون التسبب، ولو عن غير قصد، في إحراج أي أحد: عند تقديم النصيحة، لتكن بصيغة سؤال، وبهذا تحفظ ماء الوجه، فمثلا تستطيع أن تقول: أتساءل عما إذا كانت «بـ»الطريقة البديلة، ما رأيكم؟، وعندما يستخدمون «نعم، ولكن»، حتى ولو أنهم قدموا أسبابا غير منطقية بعد «لكن»، تستطيع أن تسأل عن المقترح بمعلومات جديدة، ولكن تبقى على طريقة التقديم نفسها، التي تحفظ ماء الوجه، بأن تقول مثلا: الذي أفهمه مما يدور في رأسي هو كالتالي: إن «أ» هي المرادف المنطقي لـ«بـ»، تُرى.. هل ما أفكر به صحيحًا؟. وتذكر أنه في كل مرة تتقدم فيها بفكرة جديدة، ولا سيما حينما تتقاطع مع فكرة شخص آخر، قرر ما إذا كانت الحالة تستحق أن تخاطر بدفع الثمن، فدائما ما يكون هناك ثمن ما، خاصة أن لم تكن على معرفة بإستراتيجيات كيفية التعامل مع الآخر، ثم إنه ليست كل الحالات تستحق أن تخوضها، وأن تشارك بكثافة في كل شاردة وواردة في العمل!. ولا تنس أن تعطي، ولو حتى جزء بسيط، من الفضل لشخص آخر أو الفريق، كأن تقول مثلًا: «بسبب ما يقدمه الفريق من أفكار وحلول وجمع معلومات، استطعت أن أتوصل لهذا المقترح» أو «لم أكن لأصل لهذا دون المدخلات القيمة والثمينة لقائد الفريق». وحاول إن استطعت أن تقدم أفكارك خطيًا، فهذا يعطي المُستقبِل وقتا كافيا للتفكير بالأمر دون التعرض للإحراج أمام الآخرين، فهنا قد يتخلى عن وضعية الدفاع، ويدرس الموضوع من منطلق آخر. ولا تنس أنك في الاجتماعات قد تتسبب في نفور أشخاص، بالإضافة إلى المسؤول، فبقية أعضاء الفريق ممن قد يعتبرونك خطرا عليهم، أو ما تقدمه فوق مستوى فهمهم، سينفرون منك، هذا إن لم يسهموا في محاربتك، حيث أحيانا قد يفشل أفضل حل، منطقيا كان أو تقنيا، لأن الناس يقاومون ما لا يفهمون سبب كونه الأفضل!. الحالة الأخيرة، التي قد تفوت الكثير، فمن منا يريد أن يعترف بها؟!، ألا وهي أنه من الممكن أنك لست ذكيا، على الأقل ذكي في جميع المجالات، حسب اعتقادك بالطبع!، فقد تكون بارعا في التحليل، ولكنك غير متمكن من مهارات وضع الحلول، أو قد تكون عند مستوى التأثير أو نقل الأفكار ذا مستوى متواضع، إن لم يكن ضعيفًا!.
المغزى من كل ما سبق أنك تستطيع أن تسيطر على الوضع إن تعلمت «من أين تؤكل الكتف»، فالمسألة لا تحتاج إلى معرفة نظرية انشطار الذرة، فقط إدراك كيفية التعامل مع من هم حولك، كل حسب مستوى ذكائه، ومركزه داخل منظومة العمل أو غيرها. إنه الحفاظ على حقوقك دون التنازل عن مبادئك، من خلال التمكن من مهارات توصيل الأفكار لتنفذ، بعيدًا عن المخاطرة، وبعيدا عن جعل الآخرين يشعرون بعدم الارتياح تجاهك.