حين قال أحد خبراء الصحافة والإعلام ذات يوم إن الناس أصبحوا يقرؤون الصور ويتفرجون على المقالات، أيد رأيه القليل آنذاك...ولم تمض شهور إلا والصورة سيدة الموقف في الإعلام، ليتم توظيفها للتأثير في المتلقين باختلاف أعمارهم ومشاربهم.

ثم جاء الصوت مصاحبا للصور في الإعلام الجديد ليسيطر على مساحة كبيرة من وجدان البشر، كونه يحقق متطلباتهم للمزيد من المعرفة والأخبار والتواصل مع الحاضر والماضي.

ومنذ عشرة أعوام بدأ عبدالرحمن أبو ملحة بروح الوفاء وإحساس المواطن ومسؤولية المثقف الانطلاقة الأولى لسلسلة "التاريخ المحكي" صوتا وصورة عن مدينة أبها، واستطاع بجهده وعلاقاته الاجتماعية المميزة أن يسجل حتى الآن مع اثنتي عشرة شخصية لا زالوا على قيد الحياة، ممن عاشوا في أبها منذ نعومة أظفارهم، واطلعوا على أسرار جمالها وتفاصيلها المدهشة عن الحياة الاجتماعية والتعليمية والزراعية والاقتصادية والتجارية والحضارية، وكيف كانت وما وصلت إليه اليوم من تطور ونهضة بفضل الله ثم باهتمام حكومتنا أيدها الله، وما ينتظر عسير بصفة عامة من مستقبل واعد بحول الله وقوته. وعندما كان صاحب هذه المبادرة في الثمانينات الميلادية مديرا لإدارة النقل في عسير، نفذ بكل إخلاص توجيهات ولاة الأمر لمد شرايين الحياة وربط مدن وقرى عسير بشبكة من الطرق الحديثة..


نراه يعود اليوم ليصل الماضي بالحاضر، ولكن عبر بوابة الإعلام الجديد، حتى يشاهد الأبناء والبنات تلك الحكايات المليئة دروسا وعظات وإبداعا ويقينا وصبرا وقدوة وفخرا.

وقد أطلعني "أبو عبدالعزيز" على بعض الحلقات فكانت رائعة، تفيض بمعلومات ومواقف أسمعها لأول مرة، وهذا يعود إلى إدارته الجيدة للحوار، وما يتمتع به من جاذبية "كاريزما" وذكاء في تحضيره لكل حلقة، وطرح الأسئلة ومعرفته المسبقة، عن حياة الضيف وعدم مقاطعته، مما يجعل المتحدث يشعر بالارتياح والثقة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى تسجيل بعض المهتمين بتاريخ أبها ومنهم أحمد نيازي، عبدالله شاهر، عبدالكريم بن مسفر، أحاديث مهمة لكبار السن قبل ثمانية أعوام... ولا أعلم ما مصيرها.

والتاريخ الشفوي المحكي كما وصفته دارة الملك عبدالعزيز هو "من الوثائق المهمة التي تحفظ ذاكرة الوطن من خلال نقله وتسجيله من الأشخاص الذين يمتلكون المعلومات التي تُعد قيمة تاريخية". ويقول محمد القشعمي في مقال صحفي "إن هذا اللون عُرف في المملكة العربية السعودية قبل خمسة وأربعين عاما، حيث تولى فريق عمل إجراء مقابلات عن أوجه الحياة العامة، وبعد ذلك بسنوات أسست دارة الملك عبدالعزيز مركزا للتاريخ الشفهي".

ويعطي مشروع التاريخ الشفهي المحكي عن أبها صوتا وصورة مع عرض بعض الوثائق والصور أثناء حديث الضيف، بعدا آخر من المصداقية والقبول، لأنه يحكي عن فترة زمنية محددة، ويتناسب مع عصرنا الرقمي، وسيكون مرجعا مهما للباحثين وإضافة كبيرة للمكتبة السعودية.

السؤال الذي يتردد الآن، هل سنبدأ مشاهدة واقتناء مقاطع التاريخ المحكي عن الماضي القريب بدلا من رواية تاريخية في كتاب؟.

الإجابة لدى صاحب المبادرة عبدالرحمن أبو ملحة.