قبل أيام عشنا احتفاءات «اليوم العالمي للطفل»، الذي كان شعاره لهذا العام «مستقبل أفضل لكل طفل». شعار يضعنا أمام مسؤولية كبرى تجاه أجيال المستقبل، مما يجعلنا نؤمن حد اليقين بأن تربية الأطفال ورعايتهم والاهتمام بهم وظيفة أسرية إلزامية حتمية خاصة، واستثمار مجتمعي عام وشامل، لذا هي من أهم ما يجب أن تركز عليه الدول بمجتمعاتها وأفرادها ومؤسساتها، وكذلك هيئات الأمم المتحدة ولجانها المتعددة، ليفوز أطفال العالم ببناء ثقافي حضاري أخلاقي وإنتاجي، يرتقي بالشعوب وأوطانها.

ولأن التربية الأسرية والمجتمعية للطفل ككل شيء في الحياة قابلة للتغير والتبدل عبر الأزمان، فإن المتخصص المتابع عوامل التغير فيها يجد أن الأسر الآن واقعة في حيرة بين اتباع مدرسة التربية الكلاسيكية القديمة، التي اعتمدت على هيبة المؤسسة التربوية، التي اتخذت من الصرامة منهجا معتمدا في تربية الأبناء، لتخرج جيلا قادما مؤهلا لتحمل المسؤولية، ذا فعالية إنتاجية نافعة، يستطيع الاعتماد على نفسه، ويستطيع من حوله ومجتمعه الاعتماد عليه، وتستطيع أسرته في كبرها عندما يضعفها الزمن أن تراهن على قوته، وعلى قيمة البر العليا التي تربى عليها، ليكون سندها ومعينها بعد الله.

وبين المدرسة التربوية الحديثة التي تنادي بنسف كل المبادئ التربوية التقليدية بانضباطيتها وصرامتها، وتدعو إلى مصادقة الأبناء، وإزالة حاجز الهيبة الأسرية، واستبدال أساليب أكثر «عصرنة» بطريقة الثواب والعقاب، مع منح الأبناء حقوقا كثيرة كانت من المحرمات في فصول المدرسة الكلاسيكية القديمة.

من هذا المنطلق، انتقد بعض المختصين معاملة الوالدين أطفالهم كما لو كانوا أشخاصا ناضجين، ومطالبتهم بإعطائهم الحرية، لتنمية ذاتهم دون أي قيود خارجية، واكتفاء الوالدين بدور «الرفيق» و«الصديق»، بدلا من «المرشد» و«المربي».

الكثير من الأهل يعتقدون أن الأفضل أن يعاملوا أطفالهم باعتبارهم شركاء مساوين لهم، وأن رأيهم يجب أن يكون نابعا منهم، وله وزن يوازي رأي الوالدين نفسه، وهو الأمر الذي يطالب الطفل بما يفوق قدراته، لأنه يفتقد للخبرة الحياتية، ولا يستند إلى ركائز معينة، يبني عليها القرار الذي ينتظره منه الوالدان.

ومن أسباب هذا التحول في التربية شيوع المعرفة من خلال الإنترنت، وبالتالي يعتقد الأهل، ويعتقد الأطفال والشباب، أنهم متساوون في المعرفة، وأنهم يستطيعون الحصول على القدر نفسه من المعلومات من خلال البحث في الإنترنت.

ولا بد أن يحذر أولياء الأمور من الاكتفاء بالتشجيع والإعجاب بكل ما يفعله الطفل أو الشاب، وكأنهم لا يقعون في أخطاء أبدا، ولا يحتاجون إلى تحمل عواقب أخطائهم، فالقضية تتعلق بنقل خبرات الحياة، وطريقة التعامل مع مشكلاتها، وكيفية التأقلم مع المجتمع المحيط بكل ما يسود فيه من مفاهيم وقيم وعادات وتقاليد وثقافة، وهي أمور لا يمكن اكتسابها من العالم الافتراضي.

ما نحتاجه الآن هو أن يعود الأب والأم إلى دورهما الأساس في التربية، وليس أن تتحول الأسرة إلى مجموعة شركاء متساوين، ليس بينهم كبير أو راعٍ، يتخذ قرارا، ويتحمل المسؤولية عن رعيته.

التربية ليست وليدة يوم وليلة، وليست نتاج أزمة أو موقف فقط، بل هي تراكم خبرات وتجارب، تمكن الأجيال من تبادل الثقافات والنجاحات، وتجاوز التحديات.

نحتاج كثيرا إلى أن نعيد للطفولة براءتها وبياضها، ونجنبها الخوض المغرق في «السوشيال ميديا»، وركوب موجة المشاهير والمعلنين، وألا نضعهم تحت ضغط ومسؤوليات هم في غنى عنها الآن.

نحن نملك أفضل التشريعات لرعاية وحماية الطفل، ولكننا نفتقد للآليات التي تجعلنا نطمئن أن أطفالنا تحت رعاية أسر داعمة، وتملك أبجديات الرعاية والصحة النفسية، ونفتقد للتشريعات التي تحاسب كل أب وأم على أي تقصير تجاه أطفالهم، ومراقبة سلوكهم معهم.

متى ما أردنا النجاح في المستقبل فلنهتم بالطفل، الذي كما عرفته الهيئات الدولية هو من عمر الولادة حتى الـ18 من عمره، فهلا شققنا عن قلب الطفولة واطمأنننا عليها.