ليس من المستغرب ما يحصل في أسواق الطاقة عندما سحبت الولايات المتحدة من احتياطاتها النفطية لمعالجة إحدى تبعات ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، فالنفط سيستمر بكل بساطة بالصعود حتى يلامس حاجز المائة دولار للبرميل إذا استمرت أوبك بلص بالتزامها الوثيق بخطتها التي تستمر عليها منذ عام ونيف، مع اعتبار آخر زيادة ستكون بمقدار 400 ألف برميل يومياً بدءًا من الشهر القادم.

في الحقيقة لن تغيّر هذه الزيادة في وضع سوق النفط، غير أن أصدقاءنا الغربيين يتوقعون أن يقلّ الطلب على النفط حتماً مع الإغلاقات الجارية حالياً في أوروبا بسبب الموجه الخامسة لجائحة كورونا.

الأمريكيون رغم الصعوبات التي تواجههم في ارتفاع أسعار الغازولين إلا أن وضعهم أفضل بكثير من أصدقائهم الأوروبيين، فرغم السحب من الاحتياطيات النفطية التي من المفترض أن تكون معدّة لحالات الطوارئ القصوى وأوضاع النكسات الاقتصادية، إلا أن المشترين ملتزمون بإعادة هذه البراميل من النفط في أقرب فرصة لعل وعسى أن يساهم سحب 50 مليون برميل من الاحتياطيات الأمريكية في خفض معدل التضخم في الاقتصاد الأمريكي. كما أن الهند بدورها وبالتحالف مع أمريكا وكبار المستهلكين تعتزم سحب 5 ملايين برميل من الاحتياطيات لإجبار الأسعار على النزول.

لذلك فإن منطق الواقع يفرض نفسه بقوة، فأوبك بلص قدد تتراجع عن أي زيادات في الإنتاج عندما تجتمع بعد أيام في حال انخفض الطلب بسبب السحب من المخزونات أو بسبب الإغلاقات. وهذا ما يجعل أي محاولات للخروج عن السياق الدبلوماسي في معالجة تحدي التضخم في الاقتصادات المستهلكة هي عبارة عن تسويف وقتي لا أكثر. على الرغم من أن السحب نفسه من الاحتياطيات قادر على أن يرفع أسعار النفط بسبب أن المخزونات الاحتياطية وتلك التجارية ينبغي تعويضها بأي حال من الأحوال، فالذين يبيعون النفط الاحتياطي بأسعار أقل سيضطرون قريباً لشرائه من أجل إعادته بأسعار أعلى.

في واقع الحال، ما نلاحظه أن السياسة الأمريكية التي يتخذها الرئيس بايدن غريبة نوعاً ما، فهي تفرّط كثيراً في الفرص المواتية من أجل التفاهمات السياسية مع قادة مجموعة أوبك بلص. في حين تتعالى أصوات الساسة الأمريكيين بأنهم في طريقهم للضغط على مجموعة أوبك من أجل خفض الأسعار.

وعلى الجانب الآخر جاءت نتائج مؤتمر المناخ كوب-26 COP26 لتؤكد التزام الدول الغربية تحديداً في وقف استثمارات النفط والغاز من أجل الوصول للحياد الكربوني بزعمهم، وهو ما أستبعده كمراقب لسبب بسيط وهو انعدام وجود البدائل الموثوقة والمستدامة.

وفي نفس مؤتمر المناخ في جلاسكو صرّح وزير الطاقة البريطاني بأن نموذج التدوير للمنتجات البترولية والبتروكيماوية السعودية هو فتح حقيقي في مجال اقتصاد الكربون الدائري، كما أنه نموذج مرجعي، وأكد على أن بريطانيا ستتخذ التجربة السعودية نموذجاً يحتذى في خطتها نحو الحياد الكربوني 2050م.

لم يتطرق إعلامنا لهذا التقدير العالمي للمنجز السعودي الذي اعتمد على أسلوب الابتكار في التقاط ذرات الكربون من مصانع النفط والبتروكيماويات وتحويلها إلى منتجات مباشرة أو غير مباشرة من خلال إدخال غاز ثاني أكسيد الكربون في إنتاج الميثانول والبوليمرات بكميات تجارية هي الأولى على مستوى العالم.

لقد أطلقت السعودية مبادرة الاقتصاد الدائري للكربون أثناء ترؤسها قمة العشرين العام الماضي، وصدّرت أول شحنة من الأمونيا منزوعة الكربون في عملياتها إلى اليابان كأول شحنة للأمونيا الزرقاء في تاريخ البشرية. ثم أطلقت مبادرات الشرق الأوسط الأخضر والسعودية الخضراء لالتقاط 500 ألف طن من غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث سنوياً باستخدام العوامل الطبيعية. وفي ذات الوقت تقوم بتطوير مصانعها وحقولها النفطية من خلال الابتكار، فابتكرت ببراءة اختراع مسجلة باسم أرامكو أداة لالتقاط الكربون من مداخن المصانع النفطية وأنتجت أقل برميل نفطي يطلق الكربون بأقل من 10 كيلو كربون مكافئ.

أما الآن فإن السعودية تتقدم بمراحل على كل دول العالم في تحويل منتجاتها الكيميائية إلى منتجات دائرية. بمعنى أن تلك المنتجات منزوعة ثاني أكسيد الكربون من عملياتها الصناعية والتي يتم فيها استخدام هذا الكربون إمّا في إنتاج مواد جديدة، أو احتجازه في عمليات إنتاج النفط التي تستلزم الضخ في الآبار لدفع النفط إلى الخارج.

ما يعنينا أن السعوديين يبنون على بنيتهم التحتية القوية، ويستفيدون من توافر المصانع والخبرات الوطنية المتقدمة، وعليه أقول لكل المستثمرين وملّاك ومديري المنشآت الصناعية في السعودية «أنتم أمام مستقبل ستكون الغلبة فيه لأصحاب المنتجات الدائرية» بدءًا من الكيميائيات والنفط وصولاً للمنتجات الاستهلاكية اليومية والملابس والأدوات المعدنية وغير المعدنية. وختاماً بتدوير النفايات نفسها لإنتاج الطاقة.

ليس أقل من أن السعوديين أصبحوا الآن بهذا المنجز الوطني فلاسفة العالم في التدوير! وهذه هي البداية فقط.