فقدت لقاءات الأصدقاء في مجالس نهاية الأسبوع بهجتها وأنسها وانفرط عقد روادها بمتاهات العصر الرقمي وعوالمه الافتراضية.

وارتضى البعض الوحدة السلبية في بيته منزويا في مجلسه الرقمي الذي لا تتعدى مساحته ما بين عينيه وأنامله وهاتفه المحمول، يصارع ثالوثا بغيضا يتمثل في القلق والمشاعر السلبية واختلاط المفاهيم بين جدال وردود واستقبال وصدود، ومقاطع صوتية ومصورة ليس لها حدود.. تأتي من فضاء واسع كل ما فيه سريع الحركة لا يعرف إلا معلومة تمحو معلومة، وصورة تدفن أخرى، ومقطع يزيح مقطعا، وأغلبها ممجوجة باردة عديمة النفع والفائدة. ويحذر علماء النفس والاجتماع من الآثار الخطيرة للعزلة السلبية على الإنسان حتى لو تظاهر بالحضور أحيانا وسط محيطه الاجتماعي، فإنه للأسف يشعر بالوحدة، وهذا أقسى شعور يصاحبه بقية حياته.

وإن تحدث في مجلس الأصدقاء تراه لا يخرج عن الدائرة الضيقة التي حشر نفسه فيها، إذ يستشهد في جل كلامه أنه ذهب مع أم فلان ويقصد زوجته وقالت أم فلان ولاحظت أم فلان...


والعزلة المحمودة التي عرفها الناس قديما وحتى الآن أوقاتا محددة لا تتعدى الأسابيع إما للدراسة أو التأليف أو التفكير أو المرض.

في الجانب الآخر من ظاهرة المجالس حين تلبي دعوة جار أو صديق تجد من يستأثر بالحديث وحده، يلوك قصائد شعرية قد سمعها الناس، وكأنه يستجدي إعجاب الحضور.. يتذكر سنوات الغفلة حين كان يخطب في مناسبات الأفراح بكلام فيه التشدد والتنفير وثقالة الدم.

أما إن وضعتك الأقدار في مجلس تجلى فيه السرور وطيب الكلام وتبادل الأحاديث بين الحضور يأتي من ينغص عليك، ولغة البرمجة العصبية تكشف أسرارها على ملامح وردود أفعال أهل المجالس الرقمية.

تجد أحدهم يتابع ما يدور في الجلسة من كلام لكنه دون قصد يضع يده على فمه، وهذا يعني أنه يقول للمتحدثين كفى.. التزموا الصمت، وتقول لغة البرمجة إن من يمسك ساعته أو ياقة ثوبه أو يفرك أصابعه باستمرار أمام الناس في المجالس، فهذا مؤشر على عدم الارتياح، أما من يرفع حاجبيه ويزم شفتيه فيعني سخريته الشديدة من المجلس، وإن لمحت من حولك ينظر من فوق نظارته، فإن علم البرمجة العصبية يؤكد أن هذا الإنسان قد قيم بالسالب كل ما سمعه وشاهده... ومن يضيق عينيه دون قصد، وكأن بها رمد، فهذا دليل أكيد على ضيقه وطفشه من المجلس.

لذلك ينتظرون على أعصابهم متى يحين انطلاقهم إلى سفرة الطعام ثم يغادرون بسرعة وكأنهم يفرون من حريق رغم إلحاح صاحب المناسبة، عليهم البقاء للسمر لكن لا حياة لمن تنادي.

وقد تألمت وأنا ألمح شيخا وقورا يسأل لماذا غادر أولئك؟ نحن لم نأت للأكل فقط وإنما فرحة لقاء الأصدقاء والجيران. وغادر مثل البقية وهو يتوكأ على عصاه يتحسر على زمن مضى، ويتساءل مرة أخرى أيننا من قول الشاعر شوقي؟ :

ورائحة الشوق عند اللقاء

كرائحة الأرض بعد المطر

فإن حياة الثرى بعض ماء

وتحيا القلوب ببعض البشر.